أوروبا ضد السلام: من الذي يدفع الفلسطينيين للتطرف؟

تم نشره في السبت 12 كانون الأول / ديسمبر 2009. 10:00 صباحاً

اسرائيل هيوم  - دوري غولد

المبادرة السويدية للاعتراف الاوروبي بشرقي القدس كعاصمة للدولة الفلسطينية، ليست المرة الاولى التي تشهد فيها اسرائيل امام ناظريها محاولة اوروبية لزعزعة مكانة عاصمتها والتشكيك فيها.

قبل عشر سنوات في الرابع من ايار (مايو) العام 1999، اوشك الاتفاق الانتقالي في اطار اوسلو على التبدد، والسلطة الفلسطينية برئاسة ياسر عرفات تدارست امكانية الاعلان من طرف واحد عن الدولة الفلسطينية. كلما اقترب الموعد ازدادت الحيرة في اوساط القيادة الفلسطينية بصدد هذا البيان احادي الجانب وحدود تلك الدولة.

ابو العلاء احد مهندسي اوسلو، كتب في صحيفة "الحياة الجديدة" الفلسطينية في 21 من كانون الاول (يناير) العام 1998 بان اسس الدولة الفلسطينية التي كانت قد وضعت خصوصا قضية الحدود التي حددت ضمن  قرار التقسيم الصادر عن الامم المتحدة رقم 181 في العام 1947.

وفقا للقرار 181، القدس كلها اعتبرت كيانا دوليا طوال عشر سنوات تحت وصاية الامم المتحدة، حيث سيكون بامكان المواطنين في اطارها التصويت ان كانوا يريدون الانضمام للدولة اليهودية او العربية اللتين سيتم تشكيلهما لاحقا. الكيان الدولي سمي بالاحرف اللاتينية "Corpus Separatum" – جسما منفصلا.

في الاول من اذار (مارس) العام 1999 وعندما كانت المانيا رئيسا دوريا للاتحاد الاوروبي ارسل سفيرها في اسرائيل لوزارة الخارجية الاسرائيلية مذكرة شفوية جاء فيها ان الاتحاد الاوروبي يصادق على موقفه المعروف بصدد وضع مدينة القدس الخاص كجسم منفصل. وخلال ايام قلائل نقل عن ابو العلاء في صحيفة السلطة الفلسطينية الرسمية "الايام" قوله ان الرسالة الاوروبية "تؤكد ان القدس بشطريها شرقا وغربا هي ارض محتلة".

بهذه الطريقة تسبب الاوروبيون في واقع الامر بتطرف الموقف الفلسطيني. ياسر عرفات شرع بحملة بالاعتراف الدولي بالقرار 181 كاساس الدولة الفلسطينية – من دون اي ذكر للقرار 242 وبينما كان عرفات في نيويورك ارسل ممثل م.ت.ف في الامم المتحدة ناصر القدوة، رسالة لكوفي عنان طالب فيها اسرائيل "بان توضح للاسرة الدولية الخطوات التي اقدمت عليها بصورة غير قانونية من خلال فرض قوانينها وانظمتها على الاراضي التي احتلها في العام 1948 بما يتجاوز الاراضي التي خصصت للدولة اليهودية في القرار 181".

ولكن الدبلوماسية الاسرائيلية الفعالة في العام 1999 دفعت م.ت.ف للتراجع عن حملتها القائمة على قرار 181 في موازاة قرار احادي الجانب باقامة الدولة الفلسطينية. ولكن ما اتضح هو ان الاوروبيين قد تسببوا بتعميق الفجوات بين الاسرائيليين والفلسطينيين بدلا من جسرها.

للاوروبيين تاريخ تصريحات مقلقة في قضية القدس. بدءا من بيان البندقية الصادر في العام 1980 الذي رفض خطوات اسرائيل احادية الجانب الساعية لتوحيد شطري المدينة بعد العام 1967.

ولكن منذ عام 2002، حصل الاوروبيون على مسؤولية جديدة كأعضاء في الرباعية – الى جانب الولايات المتحدة وروسيا وأمانة الامم المتحدة العامة – بهدف مساعدة الاطراف المتنازعة للتوصل الى حل متفق عليه للصراع الاسرائيلي الفلسطيني. وزير الخارجية السويدي كارل بيلدت يعرف بيان الرباعية الصادر في التاسع من تشرين الثاني (نوفمبر) العام 2008 حيث اجمعت الاطراف على مبدأ عدم تدخل طرف ثالث في المفاوضات الثنائية.

الان ومن خلال اشهار جزرة التأييد لتحويل شرقي القدس لجزء من المدينة الفلسطينية، يتسبب السويديون بافتراض مستشاري ابو مازن بانهم ان عزفوا عن مسار المباحثات المباشرة مع اسرائيل، فسينجحون في خلق اجواء سياسية تؤدي لتدخل خارجي من طرف  ثالث لصالحهم. النتيجة المباشرة هي ان السويديين قد اضعفوا رغبة ابو مازن بالعودة الى طاولة المفاوضات مع اسرائيل. اضف الى ذلك ان مبدأ الرباعية قد تسبب بالحاق ضرر بمصداقية اوروبا في نظر اسرائيل. ذلك لانه من الذي يحتاج الرباعية التي لا تستطيع حتى الالتزام بالتعهدات التي اخذتها على عاتقها؟

ليس من الممكن تجاهل اوجه الشبه بين آثار المترتبة المبادرة السويدية الحالية على المباحثات الجارية بين اسرائيل والفلسطينيين، وبين مبادرة الاتحاد الاوروبي في العام 1999: بدلا من تسهيل المباحثات يقومون بعرقلتها وتشجيع الفلسطينيين على المسار احادي الجانب.

اليوم اصبح واضحا أن إصرار إدارة اوباما على تجميد الاستيطان قد دفع ابو مازن لتحويل هذا التجميد الى شرط مسبق لاستئناف المباحثات – شرطا لم يكن قائما حتى الان. وإذا كانت اسرائيل ترفض عن حق فكرة سريان اشهر التجميد العشرة على شرقي القدس فإن المبادرة السويدية ستؤدي فقط الى تصلب موقف ابو مازن المطالب بالتجميد ايضا في شرقي القدس. وهذا الامر سيؤدي الى ابعاد فرص استئناف المفاوضات.

في اخر المطاف خفف الاتحاد الاوروبي صيغة الاقتراح السويدي بعض الشيء. الدعوة الى تحويل القدس الى عاصمة للدولتين ما زالت على حالها والاتحاد الاوروبي اعتبر خطوط حزيران (يونيو) العام 1967 في القدس النابعة من اتفاق الهدنة، حدودا دولية صلبة غير قابلة للتغيير من دون موافقة الجانبين.و هذه الصياغة قد تلقي بظلالها على الصراع السياسي المستقبلي حول البلدة القديمة واماكن اخرى في القدس.

بامكان اسرائيل ان تستخلص عبرة مهمة من النقاش داخل الاتحاد الاوروبي بصدد مستقبل القدس. هناك مثل شائع في حكومات اسرائيل "العاجل يؤجل المهم". هنا ايضا الدبلوماسية الاسرائيلية  انشغلت في امور عاجلة على حساب مصالح طويلة المدى مثل الحفاظ على القدس الموحدة.

قبل التداول في المبادرة السويدية نشأ اصطفاف من سياسيين اوروبيين سابقين لمنح دعم للمصالح الفلسطينية. في مواجهة هذا الواقع من المطلوب بذلت جهود مبرمجة من قبل دولة اسرائيل للدفاع عن حقوقها في القدس. هذا امر يجب ان يتم من خلال التأكيد على الصلة التاريخية العميقة بين الشعب اليهودي وبين عاصمته. وان لم يحدث ذلك فإن إسرائيل قد تبدو كطرف مستعد للتسليم بالتنازلات الصعبة التي تقترحها اوروبا حتى في اوساط اصدقائها المقربين.

التعليق