اليسار صامت

تم نشره في الثلاثاء 8 كانون الأول / ديسمبر 2009. 10:00 صباحاً

هآرتس - نيفا لانير

صمت صوت اليسار الإسرائيلي بعد 41 سنة من إعلانه بأن على اسرائيل أن تعترف "بالحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني" وأن "المناطق التي تضع اسرائيل يدها عليها ستكون ورقة مساومة في التفاوض السلمي". انحلت أطره السياسية. ويكاد احتجاجه يتلاشى. ان حزب العمل سواء أنهى مهمته التاريخية ام انصرف قبل وقته، قد انهار وجرف معه اليسار كله.

"جميعهم حملتهم الريح، وجميعهم جرفهم النور" اختفى قادتهم ايضا واحدا واحدا. انطووا على انفسهم في مختبرات البحث، والمكتبات، وعند منضدة الكتابة، او في الاعمال او التدريس. حكموا على انفسهم بالجلاء السياسي في بيوتهم. وجدوا سلوتهم في كتاب جيد وفي الاولاد وفي الاحفاد.

كان اليسار هو الذي خط المبادئ والمسار الى اتفاق مع الفلسطينيين، والان مع وصول اسرائيل الى مفرق بين دولتين للشعبين وبين دولة ثنائية القومية؛ بين دولة ديمقراطية لها حدود وبين دولة تمييز عنصري؛ بين تسوية وبين اشتعال آخر في الشرق الاوسط – يصمت هذا اليسار. إنه صامت الى حد الحاجة الى الصاق الاذن بصدره لفحص هل بقي نفس في أنفه. قد لا يشوش هذا على نتنياهو وباراك، بل قد يريحهما لكنه سيئ لاسرائيل. لانه عندما يصمت اليسار، لا يسمع ما يجب ان يقال مع وصولنا الى لحظة القرار. كم من الوقت سنحتاج حتى تتخذ المنظمات والمؤسسات الدولية التي تمسكت بصوت الحكمة الاسرائيلي قرارات تنحينا خارجا على هامش الجماعة الدولية؟

لم يكن من السهل، اذا لم نشأ المبالغة، التظاهر قبل اربعين او ثلاثين سنة محتجين على "لا يوجد شعب فلسطيني" كما كانت تقول غولدا مائير، وعلى طغيان لفينغر وشركائه على عرب الضفة، وسلبهم اراضيهم وحرق غلالهم – وعلى سياسات حكومات اسرائيل. كانت الضربات الوحيدة التي تلقيتها في حياتي من عصي افراد شرطة في مظاهرات في الخليل وفي تل ابيب وفي القدس، ومن قبضات اثنين كمنا لي عند مدخل شقة في تل ابيب وتركا منشورات قمع الخونة.

إن النضال الذي كان محتوما ومرهقا وبلا شيء من التظاهر، هو بلا شك اصعب نضال وأطوله تم في اسرائيل منذ العام 1968 الى اليوم. ونحتاج الى سلسلة من المقالات لتفسير الفرق بين جعل شعار "دولتين للشعبين" اجماعا اسرائيليا وبين انهيار اليسار؛ والانتقال من 44 نائبا لحزب العمل برئاسة رابين و12 نائبا لميرتس برئاسة شولاميت الوني في انتخابات العام 1992، الى اخفاق الانتخابات الاخيرة – 13 نائبا للعمل و 3 نواب للحركة الجديدة ميرتس.

لم يستطع اليسار ان يبقى بعد "حرب الاستنزاف" التي اتمها منذ العام 1968. ان زعمه بأن مواقفه انتصرت زعم واهن. ليس مهما من أكثر يسارية، ايهود اولمرت او حاييم اورون او يولي تامير الا اذا وجد حسم وما يزال لم يوجد. والى ان توجد – باتفاق – دولتان للشعبين فلا يوجد منتصرون. لا اليسار ولا اسرائيل ولا الفلسطينيون. ان ما يوجد الان هو "ربما" متصلة. ربما فحص. ربما ازالة بؤر استيطانية. ربما تجميد. ربما تحريك. ربما مسيرة، وكل هذه تنشئ علامة سؤال كبيرة، الى اين سيتجه نتنياهو وباراك من المفرق.. إلى دولتين لشعبين أم الى دولة ثنائية القومية.

في ربع اللعبة الاخير، يتأرجح اليسار على الخطوط. كم هو مؤسف انه لا يجند ما بقي له من قوة كي يدعو حكومة اسرائيل والفلسطينيين، أجل الفلسطينيين ايضا، للعودة التفاوض. هذه حياتنا وحياتهم. هل يوجد عند شخص آخر خيار أفضل؟

التعليق