إسرائيل تنحدر تدريجيا نحو العنصرية

تم نشره في الثلاثاء 10 تشرين الثاني / نوفمبر 2009. 10:00 صباحاً
  • إسرائيل تنحدر تدريجيا نحو العنصرية

هآرتس - جدعون ليفي

قد لا تنتظر اسرائيل المخلص، لكنها مستعدة بيقين للغول. فقد ضعفت الموانع، وازيلت الحواجز، وضعفت الروادع: فإسرائيل مستعدة لتغيير قواعد اللعب. فما تزال هنالك ستة مقترحات قانون قومانية، وعدة اعمال مس بجهاز القانون والقضاء، وعدة اعمال عنف سياسي وعمليات كراهية تمر هنا بلا تأثر وعدة أعمال عقوبة واعمال انتقام عنيفة مثل حرب لبنان الثانية و"رصاص مصهور" تمر هنا بلا آثار اخلاقية وقانونية، حتى تتغير إسرائيل تغيرا لا تعرف معه.

اسرائيل مستعدة لغول الفاشية. لن يستلقي احد بعد تحت العجلات المتقدمة سريعا الى الامام، او لنقل الى الوراء. ولن يتوقف احد عن السير السريع في المنزلق. يجب الان فقط ان ننتظر الزعيم المتطرف الذي يتولى السلطة، على نحو ما ويقطف الثمرات العفنة للسنين الاخيرة، سني عدم المبالاة وعدم الاكتراث للتيار المركزي في المجتمع، الذي سيمضي مرة اخرى من الغد الى الاستماع لأغاني افيف جيفن في مسيرة ذكرى فارغة اخرى، كعادته كل سنة، اذا لم يهطل المطر والعياذ بالله.

لن يحدث هذا مرة واحدة. لن يكون هنا انقلاب ليلي لا عسكري ولا عنيف. فلا حاجة لذلك. ومثل قصة الضفدع، تلك التي تقفز الى الخارج بمرة واحدة من ماء يغلي لكنها تنضج رويدا رويدا حتى تموت في ماء يسخن بالتدريج، تنضج اسرائيل رويدا رويدا ولا يقفز احد. أخذت صدوع عرش الديمقراطية الاسرائيلية تزداد اتساعا، وأخذت الحلقات تضعف.

على هذا الحال ايضا أصبحت هشة لدرجة مرعبة: فهي تكتفي بانتخابات حرة كل بضع سنين وبحقوق تامة لليهود فقط. وكل ما بقي – الاحتجاج خارج البرلمان، والمشاركة المدنية، والمساواة امام القانون، والصحافة المستقلة المحاربة، وقبول حكم القانون الدولي والتكافل الاجتماعي – يعد فضولا يمكن العيش بغيره. ان الجمع الخطر بين عدم الاكتراث الاجتماعي، والشيطنة، والعنف الداخلي المزداد، واقامة الدولة والجيش فوق كل شيء، واظهار العنصرية البارزة وعدم التسامح مع الاقليات العرقية والفكرية، والضعفاء والمقموعين والواقعين تحت الاحتلال، مع اغراء الضعفاء بمن هم اضعف، كل ذلك وصفة قاهرة، وبرنامج تنمية خصبة لنمو الغول. هذا ما حدث مرارا كثيرة في التاريخ وهذا ما سيكون عندنا ايضا. استعدوا، استعدوا.

من آن لاخر يعتقل هنا مخرب، مستوطن يهودي، ولا سيما بعد أن يمس بيهود. تضج البلاد ليوم واحد، وتفرقع الالسنة لحظات، تايتل – شمايتل، لكن اللغة السائدة هي لغة "هامش المعسكر"، و "مخرب وحيد" و"ايدينا ليست العليا". ان احياء الجريمة التي تنشأ عنها "الاعشاب الضارة" ما تزال شرعية، حتى عندما يغطي العشب الضار كل شيء.

لا تطرق حقيقيا لحقيقة وجود عصابات مسلحة منظمة من المستوطنين في المناطق المحتلة، وهي عصابات تقتلع، وتمارس الشغب، وتخرب وتحرق بل وتقتل ايضا وتجبي "ثمنا" فوق القانون وتحته. هنالك كل شيء مباح. كذلك حقيقة ان جزءا كبيرا من المستوطنات ليس قانونيا على حسب موقف الادارة الإسرائيلية نفسها لا يجعلها تحرك ساكنا في مواجهتها. ان المناطق، وهي جزء لا ينفصل من دولة إسرائيل، أرض مشاع. انها مطلية بشعارات شتم للعرب، لا احد يفكر في تنقية بشاعتها، والقانون فيها بمنزلة توصية غير ملزمة. علامة تنذر بالشر.

لكن البلاد تضج أقل من ذلك عندما تعتقل شرطة إسرائيل متظاهري اليسار بجموعهم. فبهدوء، بهدوء، بعيدا عن عيون الجميع، اعتقلت شرطة إسرائيل نحوا من ثمانمائة متظاهر، كثرتهم الغالبة من العرب الذين اجترأوا على الاحتجاج على "رصاص مصهور". هذا الاعتقال الجماعي للمتظاهرين، الذي مر بهدوء وبغير احتجاج، ظاهرة جديدة في سماء حياتنا. أصبحنا نشبه الصين؟ وقد نكون تساوينا مع ايران؟ لسنا كذلك بعد لكننا في الطريق: فالضفدع تنضج على مهل.

فتحت ملفات جنائية في حق 685 من اولئك المعتقلين. حدث ذلك بعد أن أصدر رئيس الدولة عفوا عن 59 من متظاهري اليمين جنوا جنايات في مظاهرات تقاوم الانفصال بحجة "تفهم دوافع المتظاهرين". لكنهم في مكتب الرئيس تناولوا تناولا مختلفا دوافع من احتجوا على القتل الباطل لمواطنين في غزة، وكذلك فعلوا في اجهزة فرض القانون وفي اجهزة الصحافة. وكذلك بعد احداث تشرين الأول (اكتوبر) 2000، مع 13 متظاهرا قتيلا - من العرب، ومن المحقق ان يكونوا عربا – لم تستنتج الدروس: فقد قتل 44 مواطنا آخر منذ ذلك الحين اكثرهم على يد الشرطة وقلة منهم على ايدي مواطنين "محافظين على القانون". وكانوا جميعا عربا، ومن المحقق أنهم عرب.

المحكمة العليا مضروبة، فلن تحصلوا منها على قرارات حكم شجاعة في موضوعات حقوق الانسان. وهذا يحدث بعد أن رفضت بخوف لمدة سنين ان تشغل نفسها باستئنافات تأسيسية كتلك التي تقاوم تعذيب الشاباك او اغتيالات الجيش الاسرائيلي. كذلك لا تطبق دائما القرارات الشجاعة القليلة، كما في عدد من الاستئنافات على جدار الفصل او في قضية "اجراء الجار"، ولا يحظى هذا ايضا بالانتباه المطلوب.

هذا جهاز القضاء الذي يفرق بين المتهمين العرب واليهود، فهنالك حكم لرامي حجارة عربي وحكم آخر ليهودي، وهناك صمت إزاء حقيقة وجود مئات الاشخاص بلا محاكمة في سجوننا، وازاء الاعتقالات الادارية. ورئيسة المحكمة العليا، دوريت بينش لا تتمتع بالمكانة العامة التي كانت لسلفيها مائير شمغار واهرون باراك. ومن المحقق أنها لن تستطيع الثبات أمام الطوفان.

لم يعد الاحتلال يغطى اعلاميا تقريبا. فهتاف الحرب مع كل حرب، والطبول التي تدعو الى الضرب والضرب تصحب كل عملية. من المحقق أن اعلاما حرا مجندا لن يستلقي تحت العجلات عندما تسرع هذه قدما. سيكون مشغولا بالكشف عن الفساد الصغير المفرق، في احسن الحالات، او في تزويدنا بسخافات تلهي الجماهير كعادتها.

ان حقيقة ان الصحافيين الإسرائيليين ممنوعون من الدخول إلى غزة منذ ثلاث سنوات هي عيار الامتحان: فلا أحد يحتج. لا محرر ولا ناشر ولا مراسل ولا قارئ. جوقة مبتهجة صارخة في مقاومة تقرير غولدستون من أكثر المحللين – المجندين، ولا يوجد حتى صدى واحد في مقاومة حقيقة أن الصحافيين الإسرائيليين ممنوعون تماما من إمكانية فحص مزاعم التقرير والشهادات الميدانية. لماذا، من يهمه الأمر؟

لم يعد هناك ايضا أناس يحتذى بهم في المجتمع، مخالفون شجعان، يغامرون بأنفسهم وبسمعتهم من أجل وقف الهياج. ولم يعد هناك يشعياهو لفوفتش واحد للعلاج، ولا سيما في وقت اصبحت فيه نبوءاته الغاضبة التي بدت مفرطة لحينها قد تخلقت واصبحت رتابة حياتنا. ان ميدان المدينة فارغ من المتظاهرين (اذا استثنينا مسيرات رابين)، ولم يعد يوجد تقريبا فنانو نخبة سياسية حقا ومن المحقق انه لا يوجد مشاريع كذلك.

اين الايام التي احتج فيها مشاهير وفنانون على الادارة العسكرية ومصادرة الاراضي في الجليل؟ أيستطيع أحد ان يتخيل ايرز تال وافري جلعاد وممثلي "ايرتس نهديرت" (بلد رائع) يتظاهرون في بلعين؟ واوري زوهر ودان بن آموتس، وهما لا يقلان شهرة في زمنهما عن هؤلاء في زماننا، اجترآ على التظاهر والاحتجاج مع اوري افنيري، ويغئال تومركن، وعاموس كينان، ودان كيدار وكثيرين آخرين؟

حتى انه لتدار في مواجهة مطربين ومشاهير لم يخدموا في الجيش والعياذ بالله، معركة لا مثيل لها: الخدمة في الجيش الاسرائيلي في مقابلة تأليف فاسد رخيص مدني في يوم الاستقلال. يجر عدم الخدمة وصمة عار وبطالة، وهذه مكارثية بارزة في اسرائيل 2009. كذلك يخرج الطلاب عندنا، وهم الجيش الطلائعي في كل مجتمع محتج، يخرجون الى الشوارع عندما يوشك رسم دراستهم ان يرتفع. نشأ عن مكاتب اتحادات الطلاب حتى الان شبان – شيوخ فقط ومقاولو عمل حزبي شاحبون ومستسلمون كآبائهم. اما داني الاحمر فليس موجودا عندنا.

ان منظمات حقوق الانسان وحركات الاحتجاج خارج البرلمان، القليلة التي لم تقنت، تواجه الان واقعا جديدا مقلقا. ان دهم بيوت نشطاء "فوضويين في مقاومة الجدار" ومصادرة حواسيبهم الشخصية مرت هنا بتجاهل. ان عددا منهم يغرقون في بحر تهم جنائية. في حين أن اكثر المخلين بالنظام من المستوطنين لا يحقق معهم. ان طرق العمل في مواجهة المحتجين على الجدار في بلعين ونعلين، وهم جماعة شجاعة من الاسرائيليين والفلسطينيين نضالهم المشترك غير عنيف على نحو معلن، هي بالضبط طرق محاربة الارهاب: فأعمال دهم ليلية عنيفة واعتقالات عبثية في حين أن الاتهام الوحيد احيانا هو "مشاركة في مظاهرات غير قانونية".

يقول المحامي ميخائيل سفراد، وهو نشيط في منظمة "يوجد حكم" والمستشار القانوني لـ "نكسر الصمت" و "شجاعة الرفض"، ان التغيير الجوهري هو انه قد حدثت في الفترة الاخيرة حملة اساءة سمعة وتحريض رسمي على هذه المنظمات، فلا يتردد متحدث الجيش الاسرائيلي مثلا، وهو ضابط رفيع يلبس الملابس العسكرية، في القاء التهم الثقيلة التي لا أساس لها بالنسبة لدوافع منظمة حقوق انسان شجاعة مختصة مثل "بتسيلم"، او ان يصم حركة جنود لا تدعو حتى الى رفض الخدمة مثل "نكسر الصمت"، بحجة ان الحديث عن "رفاق محدودي الضمان"، لأن تقاريرهم لا تريح الجيش الاسرائيلي فقط.

لا يدعو أحد هذا الضابط السياسي، المتحدث باسم جيش الشعب الى التزام القانون. ولا يقل عن ذلك فضحا ظاهرة ان وزير خارجية اسرائيل لا يحجم عن العمل لوقف تمويل منظمات حقوق الانسان الوطنية هذه داخل بلدان ديمقراطية صديقة لاسرائيل. وفي هذا انحطاط درجة ايضا. ويقول المحامي سفراد ان محاربة حركة الرافضين لم تحاول قديما المس بجوهر شرعيتها، كما يحدث الان مع "نكسر الصمت"، سفراد، وهو شخص متفائل، يعتقد أن سبب زيادة محاربة هذه المنظمات هو أنه اصبح لها تأثير آخر الامر لا في البلاد، والعياذ بالله، بل في الخارج.

صحيح أن الوضع في الخمسينيات والستينيات كان أسوأ. فمع ادارة عسكرية في المثلث والجليل، ومع تنصت سري على مدار الساعة ومع صحافة مجندة مطيعة الى حد الرعب، كانت اسرائيل ديمقراطية نظريا فقط. لكنها كانت دولة هشة نشأت من العدم، تخطو خطواتها العجيبة الاولى. نضجنا وازددنا قوة منذ ذلك الحين، وقويت الديمقراطية غير مشتملة على الاحتلال. الغي الحكم العسكري وكذلك "لجنة المحررين" ذلك الجهاز التعاوني بين النظام وسائل الاعلام.

تحين الان المرحلة الثالثة من الثورة الصهيونية، وقد تكون اشدها خطرا. بدأت الصدوع تتباعد، وأخطر من ذلك ان الروادع واجهزة الرقابة التي كان يفترض ان تدافع عنا اخذت تتلاشى واحدا بعد آخر. صحيح أن هذه القائمة ما تزال تصدر بلا عائق، في ظروف حرية فكر وحرية تعبير، لكنها اذا روقبت هي واشباهها في يوم ما فلن يوجد من يمنع ذلك. اذا اعتقل كتاب قوائم كهذه في يوم قاتم على ايدي السلطة، فلن يوجد من يحتج ومن يصدر عنه صرخة. وهو ما قلناه ان اسرائيل تنتظر الغول.

التعليق