كتاب يستعرض تاريخ فن الخطابة حتى الوقت الراهن

تم نشره في الأحد 8 تشرين الثاني / نوفمبر 2009. 10:00 صباحاً

 

ترجمة مدني قصري

عمّان- صدر عن دار "فلاماريون" الفرنسية للنشر، كتاب من تأليف الكاتب كريستوف بوتان، تحت عنوان "خطب القرن الواحد والعشرين الكبرى"، يلخصه لنا جاك دي سانت فيكتور حقيقة يعرفها كل واحد منا: يولد الإنسان شاعراً، ثم يصبح متحدثاُ. منذ المبشرين الأوائل، إلى الوعّاظ الكاثوليكيين، مروراً بالمنصة البرلمانية، والبلاغة تمثل، في فرنسا، جزءاً من التراث الأدبي. لقد ظل الناس، لغاية العام 1914، يسارعون إلى منصات الجمعية العامة لكي يستمعوا إلى الخطب الكبرى في البرلمان، مثلما كانوا يهرولون قبل ذلك التاريخ إلى كنيسة "نوتر دام" لكي ينصتوا إلى بعض الوعظ. بعض العقول فقط تضع الحقل الأدبي في حدود الخيال. لا شك أن هذا المنطق التحفظي، يضع ادباء امثال بوسويت، ولاكوردير، وميرابو، وبرناف، وجوريس، والكثيرين من تلامذة سيسيرون، على هامش أسرة أدبية كبيرة، ما فتئت، تمدح نفسها لاسيما منذ الثورة الفرنسية، بأنها أسرة تحتفي وترحب دائماً بمن يقبل عليها.

عندما كرّس الكاتب ألفونس أولار، الذي كان أستاذاً للأدب الفرنسي، دراسة منهجية للمتحدثين الكبار في الثورة الفرنسية، حاز شهرة كبيرة هي التي جعلت بلدية باريس تقرر العام 1885 أن تنشئ له كرسياً لتدريس تاريخ الثورة الفرنسية في دامعة السوربون. ومنذ ذلك الوقت اكتسب فنّ الخطابة حظوة واسعة، مثلما فرض فن الجسد مكاناً في قصر فرساي.

لكن ماذا أصبح فن الخطابة اليوم، في مجتمع العروض التي أصبح فيها التحدث يعني الإغراء بأقل الكلمات الممكنة؟ فكما يقول لاكوردير "إن لكل متحدث عبقريتان، عبقريته هو وعبقرية القرن". فهل قرننا نحن ما يزال ملائماً لهذه الموهبة؟ أم انه بات في عهد التلفزيون والدعية الإعلانية مهيئاً لأن يُهمَّش مثلما هُمِّش الشعر؟ إصدارُ الخطب المعاصرة الكبرى، يشهد على العكس من ذلك، على الثروة القوية التي يحويها هذا الفن المميز الذي عرف كيف يتأقلم مع عصره، ومع القاعدة التي تذيعه وتنشره.

بالتأكيد، كما يؤكد ذلك كريستوف بوتان، أنّ فنّ الخطابة كثيراً ما صار يتراجع أمام الصيغة الشهيرة القائلة: "لقد فهمتكم" (التي قالها الجنرال ديغول)، أولديّ حلم  (التي قالها مارتن لوثر كينغ)، أو  Ich bin ei

 Berliner (التي قالها الرئيس الأميركي الأسبق كينيدي)، أو نعم نستطيع التي قالها الرئيس الأميركي الجيد باراك أوباما. على أية حال، فمنذ ديغول، وروزفلت، أو تشرشل، إلى باراك أوباما الذي بات أسيراً للأزمة المالية منذ توليه السلطة، هناك أوقات مميزة في التاريخ نكتشف فيها أن الكلمة ليست فقط طرفة أو نكتة. فعندما يؤكد روزفلت في قلب "نيو ديل" بأن "المصالح المنظَّمة لا تقل خطورة عن الجريمة المنظمة"، وعندما نقدّر ثقل المعنى الذي يمكن للكلمة أن تحمله كجانب أدائي، عندئذ قد يحدث أن تُغيّر الكلمةُ العالمَ وتعيد صياغته من جديد. أو على الأقل، أن تنقذه، بإعطائه، كما يقول باراك أوباما، ذلك "الأمل اللامتناهي الذي يلخّص ذهنية شعبنا". وكل الذين يؤثر فيهم سحر الكلمة.

التعليق