أربع مسرحيات حاولت في رمضان انتزاع ضحكة متنوعة الانطلاقات (2-2)

تم نشره في الاثنين 5 تشرين الأول / أكتوبر 2009. 09:00 صباحاً
  • أربع مسرحيات حاولت في رمضان انتزاع ضحكة متنوعة الانطلاقات (2-2)

محمد جميل خضر

عمّان- لا تبتعد العروض المسرحية الرمضانية (العمّانية) عن مجمل الأجواء الخاصة بشهر الصيام الفضيل؛ بوفيه إفطار مفتوح في واحد من فنادق النجوم (ما بين ثلاث إلى خمس نجوم)، وهو بوفيه يحرص على تنوّع يشبع رغبات الصائم بعد نهار طويل أو قصير (بحسب موعد رمضان على امتداد أشهر العام)، المشروبات الرمضانية التقليدية: التمر هندي، الخروب، السوس وقمر الدين وأحياناً شراب الليمون (الليموناضة)، وكذلك حلوياته التقليدية وعلى رأسها القطائف والحلويات الشعبية من عوامة وأصابع زينب وبلح الشام و(أم علي) وغيرها من الحلويات والفواكه الموسمية وغير الموسمية.

ولا تخلو (عادة) صالة العرض من مظاهر الاحتفاء بشهر المسلمين: فوانيس رمضان معلقة في سقف القاعة، أو موزعة على طاولاتها، الأهلة في كل مكان، والدعايات الرمضانية، وتسابق جمهور العروض للحصول على أكبر حصة من توابع العرض ومؤثثاته حتى انطلاقه بعد ساعة تقريباً من مدفع الإفطار.

وسط هذه الأجواء، يأتي العرض المسرحي الرمضاني، محملاً بهدف أساسي غير قابل للقسمة وهو إضحاك جمهور يفترض أن معظمه قادم من أجل التسلية قبل أي شيء آخر، ولا بأس لو تحققت هذه التسلية من الضحك على ممارسات النواب، أو على أداء الحكومة، أو على سوريالية المشهد السياسي العربي والإقليمي، أو على مسلسل الأخطاء الطبية الطويل، أو على ارتفاع الأسعار، أو على (ملهاة) الحالة الفلسطينية المأساوية، أو على طبيعة المواطن الأردني (الكشور) العنيد صعب المراس، أو على غير ذلك من أسباب انتزاع الضحكة وموجباتها.

رمضان هذا العام شهد تنافس أربعة عروض مسرحية على استقطاب جمهور هذا النوع من الأجواء الرمضانية، وهو (غالباً) جمهور يملك وفرة مالية، إن لم يكن حضوره تلبية لدعوة وُجهت له من الجهة التي يعمل بها، أو من القائمين على العرض.

مسرحية "لسعات" بطولة زهير النوباني وأمل الدباس عُرضت ابتداء من الأسبوع الثاني من رمضان في فندق اللاند مارك (راديسون سابقاً) وتواصلت حتى نهاية الشهر الفضيل، مسرحية "ألف أزمة وأزمة" بطولة نبيل صوالحة ومعه حسن سبايلة ورانيا إسماعيل ولارا صوالحة عُرضت في فندق الريجنسي بعد أيام من حلول رمضان وتواصلت كذلك حتى نهايته، "التجربة الأميركية" لمحمود صايمة وفريقه عُرضت حتى الأيام الأخيرة من شهر رمضان في فندق الدايز إن، وأخيراً مسرحية "زواد أوباما في الكونجرس" من تأليف فيصل المجالي وإخراج محمد حلمي، وبطولة محمد الزواهرة وناريمان عبد الكريم، عُرضت على مدى أيام شهر الصيام في فندق بتونيا. وبدوره، قدّم الفنان حسين طبيشات في حدائق الملك حسين استعراضات فنية كوميدية (غير مترافقة مع وجبة إفطار).

نبيل صوالحة: أسلوب خاص

منذ عدة أعوام ماضية، يتبنى الفنان نبيل صوالحة أسلوباً خاصاً في عروضه المسرحية الرمضانية، إذ يمزج فيها بين مدرسة عرض الرجل الواحد (ترجمة حرفية لمصطلح ون مان شو one man show)، وبين العرض الجماعي المعتمد على باقي فريق العمل.

ويحقق المزج لعروض صوالحة قدراً (مهضوماً) من تعدد مستويات التعبير في العرض الواحد، وينتج تناوباً مثمراً فيه لجهة إمتاع الجمهور، وعدم وصوله إلى درجة الملل. وفي المشاهد التي يقدمها صوالحة وحده فوق الخشبة، يحاول اعتماد إيقاع تفاعل مباشر مع جمهور الصالة، وتوجيه خطابه الدرامي الحواري لهم، وبما يشبه أن يهمس لهم ببعض الأخبار والأسرار. واللافت أن صوالحة يفعل ذلك دون أن يدع انضباط التلقي يفلت من عقاله، أو أن يتحول إلى فوضى غير بناءة.

وفي مسرحيته لرمضان هذا العام "ألف أزمة وأزمة" من تأليف مشترك له وللفنان حسن سبايلة، يواصل تبني أسلوبه الخاص هذا وتطويره.

المسرحية التي تواصل عرضها في فندق الريجنسي حتى نهاية رمضان هذا العام، لم تبتعد في موضوعاتها ومنهجيتها الكوميدية (تقريباً) عن باقي العروض الرمضانية، وإن تميزت في مساحتين خاصتين بها: الأولى مساحة تركيزها على مشهد تكرر محلياً عدد من المرات في الأشهر الأخيرة، وهو مشهد صعود بعض الأشخاص ذكوراً أو إناثاً على سطح عمارة تحت الإنشاء قريبة من دوار الداخلية وملاصقة لمبنى وكالة الأنباء الأردنية (بترا)، وتظاهرهم أو إعلانهم الرغبة بالانتحار، ثم خوض رجال الإنقاذ وعدد من المعنيين من الأمن العام وجهات أخرى، مفاوضات معهم ونقاشات وأخذ ورد انتهى في مختلف تلك الحوادث، إلى التراجع عن فكرة الانتحار (إن كانت موجودة أصلاً). وترافقت تلك المحاولات مع تقديم محاولي الانتحار كشفا شفويا بمطالبهم واستعراض المشاكل التي دفعتهم للقيام بالصعود ولفت انتباه الناس والإعلام والجهات المعنية إليهم.

المسألة الثانية هي تفوق صوالحة بالتقليد على محاولات غيره، خصوصاً تقليده لشخصيات بعينها، لتقارب شكله مع شكلها، أو لالتقاطه العلامات الفارقة أو مفتاح تلك الشخصيات (الرئيس الليبي معمر القذافي نموذجاً).

موسيقى مسرحية "ألف أزمة وأزمة" لحازم خزوز وعلاء المصري والإضاءة لحسين فاشا.

محمود صايمة: ضوابط الارتجال

يفرض الفنان محمود صايمة على دوره في مسرحية "التجربة الأميركية" من تأليفه وإشرافه وإخراج محمد حلمي، ضوابط صارمة على الارتجال الذي تتميز به عادة عروضه المسرحية. وسبب تلك الضوابط حساسية الدور وبعده الوطني، وارتباطه، كما يؤكد في حديث لمجلة "السجل"، بقضايا عربية مصيرية، ظهرت ملامحها أكثر وضوحاً بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر).

وتناولت المسرحية، التي تواصل عرضها وسط أجواء رمضانية دافئة في فندق الدايز إن حتى الأيام الأخيرة من رمضان، بشكل رئيسي، الأضرار التي لحقت بالعرب والمسلمين بعد تفجيرات نيويورك والانقلاب الكوني الذي تسببت به تلك التفجيرات.

المسرحية لا تتردد عبر وسيط كوميدي متعدد المستويات، بإيصال رؤية ناقدة لآليات النظرة الغربية عموماً، والأميركية على وجه الخصوص، للمسلمين بعامة وللعرب على وجه الخصوص، وعنصرية تلك النظرة في بعض الأحيان ولا موضوعيتها، وافتقارها في حالات بعينها رغم ما يدعيه الغرب من احترام للإنسان وحقوقه، لأبسط موجبات هذا الاحترام وقواعده وأدبياته الإنسانية المثبتة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وفي مختلف التشريعات والاتفاقيات المتشابهة.

وفي المسرحية التي شارك صايمة أدوار البطولة فيها عثمان الشمايلة، وسعد الدين عطية، وإلهام عبد الله، وغدير عودة، ومعتصم البيك، مسائل جانبية أخرى، كالدعوة إلى تعزيز روح الوحدة الوطنية بين أبناء الشعب الواحد، والتركيز على خصوصية العلاقة الأردنية الفلسطينية.

تميزت "التجربة الأميركية" بتقارب مستوى الأداء بين مختلف أعضاء فريقها، وأخذ كل واحد منهم مساحته التعبيرية الإبداعية وافية.

نفّذ ديكور المسرحية عادل حزينة، والإضاءة والصوت لأحمد المحروق.

محمد الزواهرة: تقنيات الحلم

فندق بتونيا على طريق الجامعة الأردنية، استضاف خلال شهر رمضان مسرحية "زواد أوباما في الكونجرس" من تأليف فيصل المجالي وإخراج محمد حلمي، وبطولة محمد الزواهرة وناريمان عبد الكريم.

واعتمدت المسرحية التي شارك فيها ممثلون آخرون إضافة إلى الزواهرة وعبد الكريم، على تقنية حلم يتحول إلى كابوس، وعلى ما حققته شخصية الزواهرة الدرامية (زواد ولد عواد) من نجاح في أعمال سابقة، وهي الشخصية التي أثراها الزواهرة خلال الأعوام القليلة الماضية، رغم بعض الجزر (التقلص) أحياناً في مدى انتشارها لأسباب موضوعية وذاتية عديدة، إلا أن عبارته الشهيرة "أنا زواد ولد عواد وكل الناس بتعرفني"، ظل لها صدى ما يتردد في وسط التلقي المحلي، وهو صدى يمكن البناء عليه وإثراؤه بدفق من المثابرة الجادة الساعية لتحقيق تطور مضطرد.

يسافر (زواد ولد عواد) إلى أميركا، ويصدمه الحلم، كما يخيّب آماله الواقع، ويفشل ولد عواد بتحقيق مراده من الارتباط بكاملة الحسن والجمال، رغم مساعدة شخصين عربيين يقيمان في أميركا له (أدى دوريهما ناصر أبو باشا وفيصل المجالي).

إذ يكتشف بعد عقد قرانه عليها من قبل رجل دين (مجدي أبو نجم)، بأنها امرأة خرساء، (هالة التل)، وتصل الكوميديا ذروتها مع دخول الفنان محمد مصباح بخفة ظله وحضوره إلى الخشبة، حيث لعب دور امرأة تدعى (غالية).

وفي العمل إضافة إلى حكايته الرئيسية، تطرق لموضوعات الفقر، والمساعدات الحكومية للمواطنين، وقضية البورصة، والتواطؤ الأميركي غير المحدود مع إسرائيل.

وكما في باقي عروض رمضان، لا تتردد المسرحية بالإشارة إلى أن رواتب الوزراء والنواب تشكل عبئاً على كاهل المواطن، رغم أن هذا الأخير قلما يحظى باهتمام الجهتين التشريعية والتنفيذية. وهو عادة ليس في رأس أولوياتهما.

أتقن زواهرة تقنيات الحلم، وبنى عليها عرضاً جديداً يضاف إلى رصيده من المسرحيات والأعمال التلفزيونية.

التعليق