أبو بكر يعاين "القدس في السرد الفلسطيني بعد اوسلوا"

تم نشره في الجمعة 2 تشرين الأول / أكتوبر 2009. 10:00 صباحاً
  • أبو بكر يعاين "القدس في السرد الفلسطيني بعد اوسلوا"
 

عزيزة علي

عمان- قال الناقد والروائي وليد أبو بكر إن القدس عصية على المبدعين والكتاب العرب والفلسطينيين وذلك لما لها من قدسية دينية وتاريخية وحضارية يصعب تدوينها في أي مؤلف أدبي.

ورأى أبو بكر في الندوة التي أقيمت أول من أمس في قاعة المؤتمرات في المركز الثقافي الملكي ضمن فعاليات الأسبوع الثقافي الفلسطيني في الأردن، وأدارها أستاذ الأدب العربي في الجامعة الأردنية د. عبد الجليل عبد المهدي "للقدس خصوصية تعود إلى أسباب متنوعة"، من بينها أنها "تتشكل من مجموعة من العناصر التاريخية والدينية والثقافية المرتبطة بفلسطين. وتتآلف لتكون رمزا لهذا المكان المقدّس، بالمعنى الشامل للتقديس".

وقال إن للقدس نكهة خاصة، تعلق بالنفس بمجرد العبور إلى داخلها، ثمّ لا تفارقها بعد ذلك. ويمكن لكلّ من عرف القدس أن يصادق على جودة هذه النكهة المركّبة التي تثير الحواس جميعا، بقوّة لا تقاوم. وهي تتشكّل من عناصر حسية ومعنوية، يصعب فهمها أو حصرها، تتميز وسطها الرائحة المنبّهة كإطار، لتحمل في ثناياها كل ما تشكلت منه القدس عبر التاريخ المتراكم.

وقال أبو بكر في ورقته التي حملت عنوان "القدس في السرد الفلسطيني بعد اتفاق اوسلوا" إن القدس تشكّل هاجسا أوّل لدى أي كاتب فلسطينيّ، (وربما أي كاتب يعرفها)، فيتمنى أن يكون قادرا على تقديمها في عمل أدبيّ مميّز، خارج نطاق الشعر الذي لا تستطيع اهتماماته أن تخرج عن ذاتها كثيرا، بينما تكمن في نطاق السرد الروائيّ إمكانيات واسعة للتعبير، تناسب المدينة، أية مدينة، ومن خلاله يتطلع الفلسطيني الكاتب أن تكون القدس جزءا من نصّه.

وشدد أبو بكر على أن وصف مدينة القدس ليس سهلا، وهو يحتاج إلى معايشة طويلة ولصيقة، وإلى معرفة علمية بطرق وصف الأمكنة، وربما إلى تفرّغ كبير لهذا الشأن، ما تزال القدس تنتظر أن يقوم به فريق متخصص، رغم كل ما كتب عنها عبر جميع العصور.

وأشار أبو بكر إلى أن القدس، مدينة يقف أمامها الروائي الجادّ برهبة شديدة، لأنه يكاد يراها عصيّة على التعبير، وهو ما يجعل السؤال المطروح ينزاح خارج البحث عن رواية القدس التي كتبت أو ستكتب، كما كتبت روايات عن غيرها من المدن، إلى السؤال الذي يقول: هل يمكن أن تكتب رواية القدس، أم أن الصحيح هو: هل يمكن أن تكتب رواية عنها؟ هل يستطيع كاتب أن يتوصل في عمل فني روائي إلى حجم هذا التنوع الذي تتشكل منه المدينة، أو إلى قدرة على استيحاء شكل روائي منها، كما يفترض هذا الفن، حين يكون المكان مؤثرا؟

وبيّن أبو بكر أن كثيرا من المدن الفلسطينية والقرى، اتخذت الأعمال الروائية منها أمكنة روائية، أكثر مما حدث للقدس، ربما لأن هذه الأمكنة أقلّ تركيبا، وواقعها يتسم ببساطة يسهل التعامل معها، أو ربما لأن السرد الفلسطيني لم يبلغ مدى عميقا من التركيب أيضا، حتى يستطيع من خلاله أن يحيط بالقدس.

كما تحدث أبو بكر، عن تجربته الشخصية قائلا: غيابي عن القدس 30 عاما، بعد ان عايشتها بضع سنوات، كانت متعتي فيها ان ادخل من باب العامود قبل أن تصحو المدينة، وان اشرب قهوتي في المقهى الذي يقع في الزاوية إلى يساري، وأن أراقب المدينة وهي تنفض عنها غبار النوم، ببطء أول الأمر، ثم بحماسة شديدة بعد ذلك.

وأشار أبو بكر المنحاز إلى جيل الشباب من الكتاب إلى مجموعة "شامة في السماء" الصادرة للقاص الشاب جمال زكي القواسمي عن "اتحاد الكتاب الفلسطينيين، القدس 1997"، وعاين التعقيد المكاني فيها، وتداخل الأحداث، وتنوّع الشخصيّات، ما يسهّل التعامل مع قصة "الرّهان" وكأنها رواية قصيرة، مكانها هو القدس، ويمتد زمان السرد فيها على مدى ليلة واحدة من ليالي الانتفاضة الأولى، بينما يرتدّ زمان الذاكرة إلى فترات سابقة، تنتهي إلى تشكيل الحدث الذي يجري.

وترصد قصة "الرهان" كما بيّن أبو بكر، محاولة واحد من شباب القدس إلقاء زجاجات حارقة على جنود الاحتلال، الذين يحاصرون المدينة، ويطاردون شبابها، بالجيبات العسكرية والسلاح، لكنه في لحظة الفعل يتردّد، ويكتشف أن شيئا ما جعله ينسى علبة الكبريت، يشتبه بالتدريج أنه الخوف الذي أصابه، نتيجة ذكريات ارتبطت بما تنبأ به شخص "نتن"، يهادن الاحتلال من أجل مصالحه، وبسبب ذلك، يعمد بالتالي إلى التقليل من شأن الانتفاضة، ومن شأن من يؤمنون بها أيضا.

وأكد أبو بكر أن القواسمي أن اقترب بهذا العمل كثيرا من روح القدس، وهي تقاوم، وتجاوز النظرة السياحية التي حملتها الأعمال الأخرى، وخفض درجة النبرة العاطفية والخطابية، في الحديث عن القدس، كما أنه أضاف إلى ما سبقه عاملي الاحتلال، ومقاومة الاحتلال بقوة، إلا أنه في النهاية لم يتجاوز بشكل قطعي تلك الصورة التي قدّمت للقدس من قبل: القدس التي يظنّ أن ذكر أسماء الأماكن المهمة فيها، يغني عن توظيف تلك الأماكن بنجاح، داخل النص الروائي بكامله.

وكذلك رواية "قلادة فينوس" للروائية أماني الجنيدي تناولت القدس فلم لم تختر الجنيدي أن تستقلّ مركبا سهلا في الكتابة، حين اختارت القدس، بكل التعقيدات التي ترافقها، مكانا تكتب عنه وله، بما يوازي هذه التعقيدات، وتخرج في المحصلة برواية مشبعة بروح القدس، وفيها كثير من التماسك الفني، في الوقت ذاته، الذي يتعامل مع القدس كمكان واقعي، وكمكان تخلقه الفانتازيا على حدّ سواء.

وبين أن نقطة الانطلاق في الرواية كانت من "جبل الطور" ولم تجيء هذه الانطلاقة عفوية، فالجبل الذي يحمل اسما مقدسا يمثل منطقة تجمع عربية خالصة، في القدس، وهي بالتالي نقطة انطلاق، تقضّ مضاجع الاحتلال الذي يصعب عليه تغيير واقعها، ولذلك تفشل محاولات التهويد، تماما كما حدث في منطقة التجمع في الجليل، التي أفشلت محاولات التهويد منذ النكبة.

وتدور أحداث الرواية بكاملها، حول فكرة واحدة تجري عملية تأكيدها، وتأكيد ما توحي به من دلالات متنوعة، تصبّ في الواقع المهدّد لمدينة القدس، وصالح القدس في المستقبل، وهي فكرة العمل على كسر حاجز الخوف (وحتى الحذر)، لأنه يقف دون الفعل، وهو ما تعلّمته المرأة العائدة في طفولتها من توأمها الراحلة، عندما اكتشفت، عن طريق المغامرة الجريئة، نهاية لما كان يظنّ أنه مغارة، ليتبين أنه نفق، وأنه يفسر ما ظلّ غامضا حول الطريقة التي كان يتمّ بها تهريب السلاح إلى الثوار، وكانت تدور حول ذلك تخيلات غريبة، تكاد تنسب الفعل إلى الشياطين، حتى ثبت أن الطريقة واقعية، بعد أن أكّدت مغامرة تلك المرأة، المتميزة منذ طفولتها، كمعادل لصورة القدس الخالية من الشوائب، "أن الحذر لا يرينا نهاية المغارة".

ورأى انه منذ الاحتلال لم يقترب السرد الحديث كثيرا من "القدس كمكان روائي"، وأن بعض من كتبوا، كان مرورهم الفعلي بالقدس عابرا، وأن قلة منهم فقط، على قلتهم، هي التي خبرت تنوع القدس بالمعايشة التي تساهم في جعل التعبير بليغا". مؤكدا أن كلّ ذلك لا ينفي أن القدس جزء من التكوين الثقافيّ والوجداني لكلّ فلسطيني، إلا أن الالتصاق بالمكان له أهميته المعروفة في التعبير السرديّ.

وخلص أبو بكر إلى أن الأعمال السردية الفلسطينية حاولت أن تتعامل مع واقع القدس بعد الاحتلال، فلمسته من الخارج أول الأمر، ثم تسللت إليه بنظرة سياحية، قبل أن تعيش هذا الواقع بمختلف تفاصيله، وأن تدخل إلى أعماقه بعد ذلك، معبّرة عن هذه التفاصيل، متأثرة بها، في الشكل وفي المضمون.

وفي مداخلة للروائية الفلسطينية سحر خليفة طالبت وزارة الثقافة الفلسطينية بتخصيص منح تفرغ لعدد من الكتاب الفلسطينيين في القدس لتعزيز تواجدها في السرد الفلسطيني، مؤكدة انه لا يمكن الكتابة عن مكان لا يسكنك وتسكنه.

Azezaa.ali@alghad.jo

التعليق