هذا الذي يصعد وذاك الذي ينزل

تم نشره في السبت 5 أيلول / سبتمبر 2009. 10:00 صباحاً

 

هآرتس

الوف بن

4/9/2009

بين رأس السنة ويوم الغفران سيقف الرئيس الاميركي باراك اوباما في الجمعية العمومية للامم المتحدة، والى جانبه رئيس وزراء اسرائيل بنيامين نتنياهو، ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، وسيعلن عن استئناف المسيرة السلمية في الشرق الاوسط. وسيكون الهدف الذي سيطرحه طموحا: تحقيق "سلام اقليمي شامل" في غضون سنتين ينهي النزاع الاسرائيلي – العربي ويقيم بدلا منه علاقات جديدة وودية بين شعوب ودول المنطقة. خلافا لسلفه، جورج بوش، الذي بعث الطرفين للحديث فقط وطلب ان يرفعا له النتائج، فان اوباما يعتزم التدخل ومبعوثوه سيجلسون في غرفة المحادثات وسيطرحون اقتراحات تجسير وحلول.

سيتعين على اوباما ان يعمل بكد كي يقنع بان الحال سيكون مغايرا وان السلام ممكن، وان الدولة الفلسطينية ستقوم وان السوريين سيعودون الى هضبة الجولان واسرائيل ستسكن آمنة في المنطقة، فبعد عقد من خيبات الامل والحروب، من الصعب بيع "الشرق الاوسط الجديد" بتغيير المغلف الى جماعات متهكمة فقدت منذ زمن بعيد الثقة بالخطابات الحماسية لوعود السلام والتغيير.

ستكون لاعلان اوباما أهمية استراتيجية فورية. وفي عرض جدول زمني من سنتين للتسويات السلمية، سيوضح نتنياهو بان معالجة ايران أكثر الحاحا من اقامة فلسطين المستقلة الى جانب اسرائيل. وسيكون هذا انجازا دبلوماسيا عظيما لنتنياهو. وفي زيارته الى البيت الابيض في ايار (مايو)، كان الهدف المركزي لرئيس الوزراء هو اقناع اوباما بان "ايران اولا وأن الفلسطينيين بعد ذلك". وكان مريحا لاوباما في حينه ان يعرض الخلافات مع نتنياهو كي يعزز مصداقية الولايات المتحدة في العالم العربي. وبعد مائة يوم يتبين انه في تحديد جدول الاولويات السياسية، فان موقف نتنياهو هو الذي تم اتخاذه واقراره. العام 2010 سيكون "عام ايران". اما الفلسطينيون فسيتعين عليهم ان ينتظروا في الطابور وان يقضوا وقتا في محادثات عابثة الى أن يكبح جماح ايران.

حسب مبدأ "اذا اعطوا فسيأخذون"، دفع نتنياهو مقابل تسريع المعالجة للملف الايراني، بموافقته على تجميد البناء في المستوطنات – لفترة محددة من تسعة اشهر، بحسب ما تسرب عن محادثاته مع المبعوث الاميركي جورج ميتشل. كل شيء يؤجل، الى السنة المقبلةة. وسيتعين على نتنياهو أن يدير لعبة سياسية حساسة مع اليمين: ان يتعرض للهجمات العلنية على "قرار التجميد"، من دون أن يتضعضع الائتلاف ومن دون أن يعلق في مواجهة بالقوة. ويمكن التخمين بان تفكيك البؤر الاستيطانية سيشطب عن جدول الاعمال، بحجة أن الحفاظ على التماسك الداخلي ضد ايران اهم بكثير من المشادة العنيفة والمغطاة اعلاميا مع سكان التلال.

تعكس الصفقة بين نتنياهو واوباما تطور ميزان القوى في علاقاتهما. عندما التقيا في ايار (مايو) كان أوباما يبدو كمسيح يبشر بتغيير تاريخي في أميركا وفي علاقاتها مع العالم بشكل عام ومع المسلمين بشكل خاص. وقد بث اوباما املا وتغييرا فيما بدا نتنياهو قبالته كرجل الامس، لجوج ويميني وعفن، يضيع وقت الرئيس على "نمو طبيعي في المستوطنات".

ولكن كلما مر الصيف، علق اوباما في مشكلة. وقد تنافس كُتّاب الرأي في واشنطن هذا الاسبوع في التوقعات القاتمة عن الجحيم السياسي المتوقع للرئيس لدى عودته من اجازته. لقد وقع له خلل خطير في التسويق حين فقد التركيز. وكان صعوده المذهل الى الحكم استند الى رسالة واضحة ومركزة: انا امثل التغيير، انا أبدو مغايرا وأتحدث بشكل مغاير عن بوش. والان رغم التحسن في الوضع الاقتصادي، فان اوباما يهبط في الاستطلاعات – اسرع من الرؤساء الاخرين في بدايات ولاياتهم. 

في المسألتين الاساسيتين على جدول أعماله، التأمين الصحي وحرب افغانستان يجد اوباما صعوبة في أن يشرح للشعب الاميركي ما الذي يريد تحقيقه وما الذي يكافح من أجله. وفي الوقت نفسه يدير خصومه حملة ناجعة ضد الاصلاحات الصحية. وسيخطب اوباما الاسبوع المقبل امام الكونغرس في محاولة لانقاذ مبادرته وعدم تكرار فشل محاولة بيل كلينتون توسيع التأمين الصحي. وفي افغانستان يبدو الوضع ميؤوسا منه بقدر لا يقل عن ذلك. وحسب الاستطلاعات فان معظم الاميركيين لا يفهمون لماذا يقاتلون ولا يؤمنون بانه يمكن الانتصار، والخسائر المتراكمة سرعان ما تجعل التأييد الجماهيري لمواصلة الحرب يتآكل.

في الوقت الذي غرق فيه اوباما في الوحل، تصرف نتنياهو كالراشد المسؤول. فقد امتنع عن اعمال تظاهرية عسكرية تشعل المنطقة، وجمد عمليا المصادقات على البناء الجديد في المستوطنات وقبل فكرة "دولتين للشعبين". كما أنه فتح حواجز للفلسطينيين في الضفة، ولطف حدة الخطاب ضد ايران (الى التشبيه بين النووي الايراني واوشفتس في زيارته الى برلين الاسبوع الماضي)، بل واعتذر امام "النخب" عن تحريضاته ضدها في الولاية السابقة.

للحفاظ على "قاعدته" اليمينية، اعلن نتنياهو بانه سيبني لليهود في شرقي القدس وتنازع مع السويد. اما اوباما فاضطر الى بلع اعلانات نتنياهو عن القدس، "العاصمة الخالدة للشعب اليهودي". في الكونغرس لا يوجد مؤيدون كثيرون للمستوطنات، ولكن وحدة القدس هي شعار مقبول منذ سنين. وقد تمترس نتنياهو وراء موقف يمكنه فيه ان يجند المؤيدين في واشنطن فيما امتنع عن الكولسة الفظة في تلة الكابيتول ولا يعانق علنا الخصوم السياسيين لاوباما، مثلما فعل لكلينتون في العقد الماضي.

في هذه الظروف، توجد لنتنياهو فرصة لموعد ثان مع اوباما، فالرئيس جائع لانجاز سياسي، وبوسع نتنياهو ان يوفره له في تجميد المستوطنات واستئناف المفاوضات مع الفلسطينيين. واذا ما حافظ نتنياهو على ضبط النفس، وركز على الامر الاساس الايراني وامتنع عن الاستفزازات في المناطق وفي الحدود، فانه سيستقبل في البيت الابيض كضيف مرغوب فيه وجدير. ولكن اختباره الحقيقي سيكون حين يصل الجدول الزمني لاوباما الى نقطة الحسم. اذا ما اعتبرت اسرائيل كمن افشل مسيرة السلام وخرب على اوباما حملة العام 2012 فان نتنياهو سيعاقب – بالطبع شريطة ان ينجح في ان يبقى في الحكم حتى ذلك الحين.

التعليق