"فتنة السؤال": حوارات مع قاسم حداد تجيب عن قسط كبير من أسئلة المشهد الشعري العربي

تم نشره في الاثنين 31 آب / أغسطس 2009. 10:00 صباحاً
  • "فتنة السؤال": حوارات مع قاسم حداد تجيب عن قسط كبير من أسئلة المشهد الشعري العربي

عمان -الغد- يرى الناقد صبحي حديدي في مقدمته لكتاب "فتنة السؤال- حوارات مع قاسم حداد"، الصادر مؤخرا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، أن الاصل في الحوار الأدبي، أن يكون رافدا اضافيا في التغطية النقدية للنص، وأن يقدم في الآن ذاته ما يشبه الشهادة الشخصية عن ملابسات كتابة النص.

ويضيف حديدي أن الحوار الأدبي ليس مجرد استنطاق حاذق من جانب السائل ومراوغة بارعة من جانب المجيب، قد تتضمن تحصين النص وتحسين مزاياه، أو قد تستهدف النقيض تماما اي نيل السائل من النص ودفاع المجيب عنه.

ويبين حديدي أن النزعة التلصصية التي كانت تطبع الحوارات الادبية انقرضت إجمالا، كما انقرضت مهمة فضح أسرار النص وكشف سوأة الكتابة، أو تلك النزعة الأخرى الاستعراضية، التي لم تكن تكترث بأكثر من تلميع اسم الأديب على غرار نجوم المجتمع مثلا، وترويج الأدب بوصفه سلعة ومادة استهلاك.

ويقول حديدي: منذ خمسينيات القرن الماضي صار الحوار الأدبي نوعا مستقلا من التأليف لازما بصفة عامة، وضروريا تماما في حالات محددة لم يعد ما يقوله الأديب عن نصوصه وكتاباته ومقاصده محض محادثة بسيطة، بل أصبح فضاء إبداعيا ونقديا على حد سواء، وميدانا يتيح للمؤلف خلال زمن الحوار على الأقل أن يكون قائد أوركسترا لذاته بذاته.

ويلفت حديدي إلى أن قاسم حداد قائد اوركسترا، وهذا ما يؤديه على امتداد حوارات الصفحات التالية بعون من محاورين ذوي مراس في معرفة الاوركسترا، وأفضل طرائق الإنصات إليها وتحرير ذكي من سيد محمود.

ويرى حديدي أننا أمام كتاب حوارات فريد في التركيب لأربعة أسباب جوهرية بين أخرى ليست أقل أهمية، هي أن صيغة الكتاب لا تقوم على تجميع عدد من الحوارات مع المؤلف أجراها محاور واحد، أو على سلسلة حوارات معه بتوقيع عدد من المحاورين، بل هو ببساطة أقرب إلى حوار داخل الحوار يضيء مفهوم الحوار، ومادة الكتاب تعتمد بالتالي على انتخاب بالغ الدقة، وعالي الحساسية لعدد من الأسئلة التي جاءت في حوارات متغايرة السياقات متباينة الأمكنة والأزمنة، جرى انتقاؤها وتبويبها في فصول مرنة الموضوعات، عريضة النطاق ضمن منهجية تكاملية تضفي على تعدد اصواتها تناغما اوركستراليا رفيعا.

ويقول حديدي إن تلك التعددية في أصوات محاوري قاسم حداد لا تقتصر على تباينهم في الرأي وتغاير اهتماماتهم وأولويات ما يبحثون عنه عند الشاعر فحسب، بل هم يتعددون أيضا على أسس وظيفية تخص موقع كل منهم في سيرورة التأليف والكتابة: منهم الشاعر والروائي وبينهم الباحث وفيهم المفكر، فضلا عن الصحافي وليس هذا بالتفصيل العابر إذا تفحص المرء بانتباه أكبر، مدى ما يدخله موقع السائل من خصوصية على السؤال وفي متابعة تفريعات السؤال على نحو خاص.

ويلفت حديدي إلى أن الفصول قد تبدو وكأنها للوهلة الأولى تفصل بين موضوعة وأخرى، وتصنف الاسئلة في نوع من التقسيم أو الأقسام، لكن الحال ليست هكذا لأن الفصل الأول مثلا المعنون "موسيقى الحديد الحزين" يحتوي اسئلة حول القضايا التالية: النص الكتابة والحياة الشك وولادة القصيدة والبحث عن الوثوق والعمر وتجربة السجن اليومي واسطرة الواقع وحضور الوعي العاطفة.

ويجزم حديدي أن قاسم حداد وعلى امتداد تلك المنتخبات الحوارية، ظل شاعرا أولا وثانيا وعاشرا، قبل أن يبرهن على سوية عالية من اليقظة والوعي والشجاعة، كما ظل متماسكا في اليقين عازفا عن الإطلاق، متواضعا بليغا في الإفصاح، ونزيها في الكشف عن خبايا الكيمياء الشعرية التي يعتمدها في كتابة قصيدته.

ويقول حديدي إن قاسم حداد يظل في البعد الآخر الذي يخص طبائع القراءة، دائب التطلع إلى القارئ في مختلف أنماطه وأنساق استقباله للنص.

ويرصد خمسة من تلك الأنماط إليها تتوجه إجابات قاسم حداد دونما اصطفاء محدد أو ترجيح تمييزين هي: "القارئ الفعلي"، أي ذاك الذي أمسك بين يديه واحدا على الأقل من أعمال قاسم حداد وقرأه عن سابق تصميم وليس مصادفة أو عشوائيا، وهذا قارئ يمارس فعل القراءة في صورته الأعم والأكثر أهمية في الواقع، وإليه تتوجه الأبحاث الميدانية التي تتناول علم اجتماع القراءة.

وبصدد هذا القارئ يتحدث قاسم حداد مثلا عن "تشغيل المخيلة على الجانبين: الكاتب والقارئ وما ينتج عن ذلك فإنه يأتي في ما بعد وعندما يتمكن الكاتب من اقناع القارئ بأنه ازاء نص قادر على النفاذ الى النفس وكذلك "القارئ النصي" الذي ينشد إلى ما تتابعه عيناه على الورق من كلمات وسطور ومعان، ويسعى ما أمكن إلى استبعاد السياقات الخارجة على النص، مثل المعلومات الببلوغرافية والدلالات المباشرة أو الرمزية وزمان النص ومكانه وموقعه، وهذا القارئ سوف يتابع ما يوفره النص ذاته من لغة وجماليات فنية، وإلى هذا القارئ يقول قاسم حداد: "الحق إن إحساسي بما يكشفه النقاد والقراء من تجارب على صعيد النص هو احساس المكتشف معهم.

ويزيد حديدي "القارئ المدرب" أو القياسي أو يكاد، ولهذا فإنه يبدو أقرب إلى آلة تحليلية مبرمجة منه إلى كيان إنساني ذي اهواء ومواقف، وهو الذي يهدم النص بعد اكتماله" حيث يقدم قاسم حداد اقتراحا يعنى بتأثيث مخيلته النشيطة بأدوات القصيدة الافتراضية.

أما "القارئ المضمر" فهو ذلك القارئ الافتراضي الذي يضمره الأديب واعيا، أو غير واع، لأن المؤلف يخلق في النص "صورة عن نفسه وصورة أخرى عن قارئه"، كما يقول الناقد الأميركي واين بوث، وهو "يصنع قارئه تماما كما يصنع نفسه الثانية".

 ويبيّن حديدي أنه ليس مفاجئا أن يعلن قاسم حداد أنه إنما يشرك هذا الطراز من القراء في واحدة من ارفع سجايا الشاعر- اي حس التمرد حيث يقول:"ينبغي أن نحسن التعاطي مع مفهوم التمرد الذي لا ينبغي أن يتوقف عند المبدع وعندما يتحول الإرث اللغوي والفني إلى جانب يمنع رؤيتي الخاصة، وبالتالي يمنع القارئ من التعرف الى ما تشير اليه تجربتي المختلفة عن تجربة الجيل السابق ورؤاه عندها لا بد لي من وضع ذلك الارث وتلك البلاغة في المكان الذي يليق بهما (تاريخيا) وخلع القداسة عنهما والالتفات الجاد نحو ما يستجيب مع حساسيتي الجديد".

ويختم حديدي بالقارئ الأمثل الذي يستولي على معظم خصائص القارئ في الأنماط الأربعة السابقة، فضلا عن كونه مجهزا على أحسن وجه لفك ألغاز النصوص وعدته تتراوح بين المعرفة الواسعة والقدرة على التذوق وتوفر الحساسيات والانحيازات والخبرة الطويلة في استراتيجيات القراءة.

ويرى أن قاسم حداد لا يشير مباشرة إلى هذا الطراز الأمثل من القراءة، إلا أنه يحتاط منه على نحو مبدئي صارم وشجاع حين يتحدث عن "إرهاب القارئ" وتلك "الجاهزيات" التي "يصدر عنها بعض القراء وهم يخضعون في اتصالهم بالنصوص الجديدة إلى قوانين قديمة تشكل غالبا نقيضا لأدوات التعبير الجديدة".

ويؤكد حديدي أن ما أنجزه كتاب "فتنة السؤال " كثير وغني حول مفهوم الحوار بين طرفين عموما، وما ينطوي عليه ذلك من ديناميات التقاء السائل بالمجيب والذات بالآخر والحوار الأدبي بوصفه ممارسة من جانب الكاتب لمهنة الكتابة وتحملا لمسؤولياتها ولأعبائها، ولا تكاد فقرة في هذه الحوارات تخلو من مواجهة قاسم حداد لهذه أو تلك من القضايا التي تتطلب رفع الصوت واضحا عاليا وصريحا من جهة أولى وصادق نزيها مبدئيا من جهة ثانية.

ويرى حديدي أن تلك الحوارات نجحت في جعل محاور قاسم حداد ومعه الشاعر نفسه مرارا بمثابة قارئ من نوع خاص ثنائي الشخصية على نحو ما منخرط في حال نشطة من التداول والتباحث والتساؤل عن هذه التجربة الشعرية في مستوى أول، وعن قسط كبير من أسئلة المشهد الشعري العربي، وذلك بفضيلة الموقع الخاص الذي تشغله تلك التجربة في المشهد بأسره أولا، ثم في حركة الحداثة ثانيا وجوهريا.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »بدري (صديق قاسم)

    الثلاثاء 1 أيلول / سبتمبر 2009.
    شكرا على هذا الحوار

    الشاعر قاسم حداد نشر هذا الكتاب قبل عام
    والظاهر انه تاخر بالوصول الى الاردن
  • »بدري (صديق قاسم)

    الاثنين 31 آب / أغسطس 2009.
    شكرا على هذا الحوار

    الشاعر قاسم حداد نشر هذا الكتاب قبل عام
    والظاهر انه تاخر بالوصول الى الاردن
  • »عمق وذكاء (فراس القسوس)

    الاثنين 31 آب / أغسطس 2009.
    كلام جميل وعميق وهذه اول مرة اقرأ عن مفهوم الحوار بهذا الذكاء والاحاطة والشكر الكبير للغد على تلخيص مقدمة صبحي الحديدي
  • »عمق وذكاء (فراس القسوس)

    الاثنين 31 آب / أغسطس 2009.
    كلام جميل وعميق وهذه اول مرة اقرأ عن مفهوم الحوار بهذا الذكاء والاحاطة والشكر الكبير للغد على تلخيص مقدمة صبحي الحديدي