بهاء طاهر في صحبة "أبناء رفاعة": من صعود المثقف إلى حصار الثقافة

تم نشره في الثلاثاء 25 آب / أغسطس 2009. 10:00 صباحاً
  • بهاء طاهر في صحبة "أبناء رفاعة": من صعود المثقف إلى حصار الثقافة

القاهرة- في كتابه "أبناء رفاعة.. الثقافة والحرية"، يرى الروائي المصري بهاء طاهر أن المثقفين هم الذين نقلوا مصر الى العصر الحديث، لامتلاكهم قدرا من الوعي بأسس الدولة المدنية، لكنه يرصد أيضا كيف تراجع دور المثقف، وضعف الايمان بأهمية الثقافة في نهاية القرن العشرين.

ويقول إن المدارس المصرية خرجت جيلا من المثقفين الرافضين لأسلوب محمد علي الذي حكم البلاد بين عامي 1805 و1848، وأنهم خاضوا صراعا طويلا امتد حتى نهايات القرن التاسع عشر "لانتزاع الحقوق والحريات... وأبسطها حرية الحق في الحياة"، وأدى نضالهم إلى تأكيد ذات ثقافية مستقلة عن "التغريب والتتريك"، حيث يتفق طاهر مع المفكر المصري جمال حمدان (1928-1993) في أن "الاستعمار العثماني ..التركي.. يعد نوعا خاصا ومحيرا ربما من الاستعمار الديني، ولولا القناع الديني لعد مماثلا للغزو المغولي الوثني".

ويضيف أن أبرز الذين يرجع إليهم الفضل في التوعية بالدولة المدنية، ونشر ثقافة الحرية رفاعة الطهطاوي (1801-1873) وعلي مبارك (1824-1893) اللذان " خاضا معركة نشر التعليم في مصر"، إضافة إلى الإمام محمد عبده (1849-1905) وعبد الله النديم (1843- 1896) وقاسم أمين (1863-1908).

وحظي عميد الأدب العربي طه حسين (1869-1973) وحده بالنصيب الأكبر في الكتاب من خلال فصلي "الثورة على المثقفين"، و"نحن والغرب في أدب طه حسين"، إذ يسجل المؤلف أن "كل من يمسك قلما اليوم يدين لطه حسين بفضل التعلم بمن في ذلك من يستخدمون أقلامهم للهجوم عليه وعلى التعليم وعلى التنوير الذي أوجد الجامعة ونشر التعليم الذي أفادوا منه"، إلا أنه يشدد على أن ثورة تموز (يوليو) 1952 لم تترك الفرصة للعميد "ولا لنا" لتجسيد ثقافة الحرية في المجتمع.

وطرحت "دار الشروق" في القاهرة طبعة جديدة تقع في 199 صفحة من القطع المتوسط من الكتاب الذي تضمن فصولا عن أدباء أحبهم المؤلف، مثل يحيى حقي ويوسف ادريس ويحيى الطاهر عبد الله.

والمؤلف من أبرز الروائيين في العالم العربي، وحظيت أعماله بكثير من الاهتمام النقدي، كما ترجمت إلى عدة لغات.

وحصل طاهر على كثير من الجوائز، منها جائزة الدولة التقديرية في مصر عام 1998 وجائزة كفافي اليونانية العام 2001 عن مجمل أعماله.

وفازت روايته "خالتي صفية والدير" العام 2000 بجائزة جيوسيبي تشيربي الإيطالية كأفضل رواية مترجمة للايطالية، وفازت روايته "الحب في المنفى" في تشرين الأول (أكتوبر) 2008 بجائزة الزياتور الايطالية، كما فازت روايته الأخيرة "واحة الغروب" بالجائزة العالمية للرواية العربية "بوكر العربية" في أولى دوراتها العام 2007. وحصل طاهر هذا العام على جائزة مبارك في الآداب وقدرها 400 ألف جنيه مصري (حوالي 72045 دولارا) وهي أرفع الجوائز في البلاد.

وفي مقدمة الطبعة الجديدة، يقول طاهر "ربما يكون أدق وصف لهذا الكتاب هو صعود الدولة المدنية وانحسارها"، فالجزء الاول من الكتاب يرصد الصعود التدريجي لخروج المجتمع المصري من ظلام العصور الوسطى إلى أنوار الحداثة والحرية بجهود مثقفين على امتداد نحو 150 عاما، أما الفصول الأخيرة من الكتاب فتعرض "خطى التراجع التدريجي والمنظم لمشروع النهضة ذاك بغية العودة من جديد إلى المنظومة الفكرية للدولة العثمانية التي يتغزل بها الآن الكثيرون على غير علم، رغم أنها أشرفت بمصر على الهلاك".

ويرى أن فلسفة الحكم في البلاد حتى نهاية القرن الثامن عشر كان قوامها الاستبداد تحت قناع الدين، وأن الطهطاوي أدرك "تلك الحقيقة، وهي أن مصر كانت على وشك الاندثار... تدين مصر للطهطاوي بأكبر فضل في التغيير الثقافي الذي غير وجه الحياة"، إذ أرسى مفاهيم مثل الحرية والمساواة والاخوة الوطنية، إضافة إلى "الوطن" في مقابل مفهوم "الأمة" الذي كانت الدولة العثمانية تحكم باسمه، ويشمل الأمة الاسلامية كلها.

ويضيف أن مفهوم الأمة كان مجرد قناع ديني لا يعني شيئا "أكثر من الوحدة في نطاق العبودية لأن تلك الدولة (العثمانية) كانت أبعد ما تكون عن روح الدين وعن حقيقته بما سادها من الظلم والاستبداد والفتك المنظم برعاياها".

وفي فصل عنوانه "الاستغناء عن الثقافة"، يرصد المؤلف صعود الثقافة وبروز دور المثقف الطامح إلى التغيير والتقدم، وكيف كان الثمن باهظا من حياة المثقف وحريته الشخصية، إلى أن جاء عقد السبعينيات في القرن العشرين انقلابا على ما قبله.

ويضرب أمثلة على ذلك باستعباد المسرح الجاد والأدب الذي يحترم عقل الجمهور ويعتبر ذلك "مذبحة" راح ضحيتها أدباء بارزون بقتلهم معنويا عن طريق الصمت والتجاهل، أو منع نشر أعمالهم أو دفعهم الى الهجرة.

فيقول في فصل عنوانه "كيف وصلنا إلى الاخوان"، إن الحملة التي شنت في السبعينيات على الثقافة استهدفت "طرد المثقفين الحقيقيين" من مصر، واستبعاد الثقافة الجادة، إذ "كان لا بد من إخلاء الساحة من عناصر الممانعة والمقاومة للمشروع الفكري الجديد، وهكذا نجح (الرئيس السابق أنور السادات) في تشتيت مثقفي النهضة والتطوير في منافي الأرض، وإسكات وإضعاف من تبقى منهم في مصر، وجلب بدلا منهم مجموعة من الوعاظ المهاجرين منذ العهد الناصري إلى دول الخليج... كانوا معنيين تماما بإبعاد الدين عن قضايا التطور الاجتماعي والحض على طاعة الحاكم" والتركيز على الجوانب الشكلية للعبادات وبمضي الوقت أصبحوا سلطة دينية".

ويلخص طاهر ذلك المشهد قائلا "هكذا صودرت الثقافة في مصر... فهل ندهش بعد هذا حين نرى ثقافتنا العامة وقد نكصت على عقبيها أو كادت إلى ما قبل عصر رفاعة.. وهل ندهش حين نقرأ حنينا شاعريا الى عصر الاستعمار التركي الاسود الذي خيم على مصر قرونا".

التعليق