عندما يهرب اليسار من الوسط

تم نشره في الخميس 20 آب / أغسطس 2009. 10:00 صباحاً

هآرتس

موشيه آرنس

19/8/2009

ما الذي حدث لحزب العمل؟ كيف حدث ان الحزب الذي كان طوال سنوات كثيرة اكبر حركة في اسرائيل وبعد ذلك واحدا من اكبر حزبين، قد غدا اليوم اشلاء متحطمة متناثرة؟

الجواب على هذا السؤال موجود في قاعدة قديمة للسياسة الديمقراطية: من المحظور الابتعاد عن الوسط السياسي كثيرا. الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة تعلم هذه العبرة، بعد ان ابتعد مرشحه باري غولدفاتر، الذي انحرف يمينا جدا في انتخابات الرئاسة في العام 1964، وهزم بأغلبية ساحقة على يدي لندن جونسون. كما تعلم العبرة الحزب الديمقراطي ايضا عندما انحرف مرشحه جورج ماكغافرين الى اليسار بدرجة مفرطة فهزم في العام 1972 على يد ريتشارد نيكسون.

حزب العمل شكل خلال سنوات طويلة الوسط المركزي السياسي في اسرائيل. بعد انتصار الليكود في العام 1977 وضع حزب العمل نفسه الى يسار الوسط قليلا وواصل كونه احد الحزبين الكبيرين في الساحة السياسية الاسرائيلية.

في العام 1992 اوقف اسحاق رابين سلسلة انتصارات الليكود عندما طرح نفسه كصقر متشدد رغم انه وضع نفسه على يسار الوسط قليلا. التغير الدراماتيكي طرأ اثر اتفاقيات اوسلو في العام 1993 التي أيدها رابين مع بعض التردد. من تلك اللحظة بدأ حزب العمل يميل الى اليسار رويدا رويدا ويمنى بالهزائم المتلاحقة في المقابل. هذا الميل تغير مؤقتا عندما قاد ايهود باراك حزب العمل الى الانتصار في العام 1999 عندما طرح نفسه كصقر متشدد ووجه الانتقادات لاتفاقيات اوسلو. ولكن استعداديته للتنازل عن الجولان والتنازلات الفاضحة التي اقترحها على عرفات في كامب ديفيد رجحت الكفة مرة اخرى اذ ان حزب العمل انحرف الى اليسار بصورة مفرطة ولم يعد بمقدوره ان ينافس الليكود بصورة جدية في الانتخابات.

في الأعوام 2001 و 2003 و 2006 في الانتخابات الاخيرة مني حزب العمل بخسائر كبيرة لانه كان يساريا جدا بكل بساطة في نظر قطاع كبير من الجمهور الاسرائيلي. وقد كان الحزب مستعدا لاعطاء كل شيء لجيراننا قبل ان تبدأ المفاوضات – الجولان وخطوط حزيران وجبل الهيكل.

السؤال لماذا يشكك قسم كبير من الجمهور الاسرائيلي بالافتراض بأن اقتراح عدد لا ينتهي من التنازلات على السوريين والفلسطينيين سيدفع السلام الى الامام، هو سؤال منفصل. هناك امر واحد واضح: الاسرائيليون القادمون من دول اسلامية ودول رابطة الشعوب اكثر تشكيكا بعملية السلام من انصار حزب العمل التقليديين شمالي تل ابيب وفي رحافيا في القدس.

الحزب الجمهوري والديمقراطي شخصا بسرعة الحاجة لتغيير موقعهما على الخارطة السياسية بعد هزيمة غولدفاتر وماكغافرين. حزب العمل على ما يبدو فقد هذه الارتكاسات الشرطية السياسية. وعليه ان يعترف بامكانية ان يكون الناخب محقا وانه من دون الناخبين لا يمكن احراز النجاح في السياسة.

في الفيزياء يقولون ان الطبيعة لا تتحمل الفراغ. وفي السياسة نفس الشيء ايضا. حزب كاديما تسلل الى الفراغ الناشىء عن انكماش حزب العمل وقضى على اغلبية ما تبقى منه. لقد ادعى كاديما بانه حزب الوسط واعلن انه عازم على التوصل الى السلام مع الفلسطينيين وجاهز لتقديم تنازلات كبيرة، ولكنه في المقابل رفض التعهد بتنازلات في الجولان وابدى موقفا متشددا من حماس. بهذه الطريقة انتصر في الانتخابات قبل الاخيرة وكان قريبا من النصر في الانتخابات الاخيرة. وما خسره حزب كاديما لصالح الليكود في الانتخابات الاخيرة اخذه من حزب العمل.

السؤال ان كان حزب كاديما سينجح في احتلال مكانة ثابتة في الساحة السياسية ما زال مسألة مثيرة للخلاف – وهنا تكمن الفرصة لانبعاث حزب العمل من جديد. لكنه اذا لم ينتقل الى اتجاه وسط الخارطة فسيواصل طريقه نحو سلة مهملات التاريخ.

التعليق