جمهور درويش أحبه لرمزيته ورضي من بعده بـ"ورد أقل"

تم نشره في الأحد 9 آب / أغسطس 2009. 10:00 صباحاً
  • جمهور درويش أحبه لرمزيته ورضي من بعده بـ"ورد أقل"

 

رنة العامر

عمّان- لم يحظ الشاب بشار حمدان برؤية الشاعر الراحل محمود درويش إلا لمرة واحدة، في أمسية شعرية افتتح بها مهرجان الشعر في جرش العام 2001.

"كان قصر الثقافة مكتظا بآلاف الناس"، يقول حمدان، الذي كان واحدا من بين المئات الذين اضطروا لمتابعة الأمسية وقوفا.

حمدان، وهو مخرج لأفلام وثائقية، أنجز أحدها عن التجربة الثنائية للشاعر الراحل والفنان اللبناني مارسيل خليفة، يقر أن درويش "فوق الاختلاف"، ويؤشر بذلك إلى أنه يبدي تحفظه على ما يعتبر أنه "تحول في شعر درويش وإهماله الحديث عن المقاومة"، مستدركا أن تجربة الراحل الطويلة صارت "جزءا من الذاكرة الجمعية للشعب الفلسطيني وهويتهم الثقافية والنضالية".

وحظي الشاعر الراحل بـ"جماهيرية" النجوم، التي لم ينافسه بها سوى الشاعر السوري الراحل نزار قبّاني. ويحيل الكاتب محمود الريماوي أسبابها إلى أن درويش كان "صاحب قضية، وحمل راية شعبه"، مستدركا أن تلك النجومية "لم تخفت حين صار شعره تأمليا ومركبا".

ومنذ مجموعته اللافتة "ورد أقل" نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، أجرى الشاعر الراحل تحولات جذرية على تجربته وانفتاحها على أفق إنساني واسع، خصوصا بعد دعوته الشهيرة للشعراء الفلسطينيين بـ"تنظيف قصائدهم من الحجارة"، قاصدا بذلك التخلي عن المباشرة وتدجيج الشعر بالشعارات.

ويعتقد الريماوي أن "تطوره في الشعر وطلته التلفزيونية المميزة"، ساهما كذلك في تعزيز جماهيريته، من دون أن يغفل دور الإعلام في تحويل درويش إلى "ما يشبه الأسطورة"، مستدركا أن الراحل نفسه كان يبدي شكواه من محاصرة الجمهور له.

الشاب عصام محمد (24 عاما)، اصطف بين المئات في مسرح البلد، في العام 2007، للحصول على توقيع الشاعر الراحل على كتاب "في حضرة الغياب"، وكانت مشقته التي كابدها قبل الفوز بتوقيع الراحل لإيمانه أنه "الوحيد القادر على إيصال كلمة فلسطين إلى العالم من خلال أسلوبه المميز وغير العادي".

ودأب صاحب "مديح الظل العالي" في السنوات الأخيرة على إقامة حفلات توقيع لدواوينه الشعرية وكتبه النثرية التي صدرت في العقد الأول من الألفية الجديدة في عدد من المدن العربية، وحظيت عمّان التي أقام فيها في السنوات العشر الأخيرة من عمره، بحفلات عديدة على مسرح البلد، وكانت تشهد حضورا جماهيريا كبيرا.

وعصام، الذي يعمل مصمم غرافيك، يعتقد أن "الشعبية" التي حظي بها الراحل مردها أنه "شاعر الأرض المحتلة، وكتب شعرا واكب مراحل القضية الفلسطينية".

ويرى الناقد د. محمد عبيد الله أن جماهيرية درويش نتجت عن أمور متصلة بـ"شخصه ومستواه الإبداعي"، مضيفا إلى ذلك "الرمزية"، بوصفه "معبرا عن فلسطين ونضال شعبها".

ويستدرك أن ذلك تأتى بـ"إخلاص درويش لقضية شعبه والتعبير عنها من دون أن يتخلى عن الشرط الفني".

بيد أن الشاعر المصري أحمد الشهاوي ينفي الاعتقاد السائد أن درويش "بنى شعره وشهرته على القضية الفلسطينية باعتباره ممثلا لها"، مؤكدا أن الأعمال التي أنجزها في آخر عقدين من عمره "تدحض ذلك الادعاء".

ويبين أن درويش كانت له ملاحظات عديدة على بداياته الشعرية، ذاهبا إلى أنه ظل قلقا ومواظبا على تطوير قصيدته حتى وفاته.

ويعتقد الشهاوي أن ذلك القلق صنع نجومية درويش، التي لم تقتصر برأيه على الوطن العربي، مشيرا إلى أنه خلال رحلته الأخيرة إلى أميركا اللاتينية، فوجئ بشعراء كثيرين من وسط أميركا وجنوبها اللاتيني يعرفونه ويقرأونه ويتناقشون حوله، بل ويتبادلون نصوصه المترجمة الى اللغة الاسبانية.

ويوم وفاة درويش، أفردت صحف العالم، وخصوصا في أميركا اللاتينية، صفحات لتسليط الضوء على تجربته، وتأكيد قامته الشعرية العالية.

وجماهيرية درويش تجلت أكثر في وفاته، بجنازته الضخمة في رام الله حيث دفن، والاحتفاء الرسمي والشعبي في سائر أنحاء العالم.

وكان المشهد في مطار ماركا بعمّان، حيث تم استقبال جثمان درويش القادم في التاسع من آب (أغسطس) 2008، من الولايات المتحدة، مثيرا للحزن، فقد حاول العشرات اختراق الحواجز والدخول لإلقاء النظرة الأخيرة على جثمانه.

كثيرون من محبي درويش لم يتسن لهم ذلك، ومنى السالم لم تفكر للحظة بأن ترى ذلك المشهد، فقد كان حزنها أعظم من احتمال رؤيته، معتبرة أن وفاته لحظة تاريخية لكونه "جسد قضية شعب ونقل معاناته إلى العالم بشعره".

rannah.alamer@alghad.jo

التعليق