من الشيخ جراح إلى الشيخ مؤنس

تم نشره في الجمعة 7 آب / أغسطس 2009. 10:00 صباحاً
  • من الشيخ جراح إلى الشيخ مؤنس

هآرتس

جدعون ليفي

6/8/2009

على التلة الواقعة على مسافة عشرات الامتار من منزلي الحالي، كانت بركة ري حقول القرية التي أقيمت على أنقاضها بركة السباحة التابعة للبلدية التي اسبح فيها كل صباح.

البرتقال الفلسطيني كان مزدهرا في البيارة التي اجتثت، وفوق تلك الارض اقيم منزلي. الارض "خُلصت" مثلما تقول الدعاية الصهيونية التي تسعى إلى امتلاك الاراضي، وفي حالة الشيخ مؤنس فهي "خُلصت" بالقوة، واقيم فوقها حي رمات افيف بما فيه جامعة تل ابيب، المؤسسة الاكاديمية المعتبرة التي اقيمت على انقاض قرية تم تطويق 2230 شخصا كانوا يسكنونها وترهيبهم، الامر الذي دفعهم إلى الفرار للأبد.

بقي من تلك القرية الكبيرة "المنزل الاخضر"، وبيت آخر في شارع لبنان، والمقبرة المهجورة التي تستخدم موقف سيارات لمنشأة حكومية ضخمة يحظر دخولها على غير المعنيين. وبالطبع، ليس هناك اي نصب او علامة تشير الى تلك القرية التي ازيلت عن وجه الارض من بين 418 قرية لقيت المصير ذاته.

في مكان ما، ربما في مخيمات اللاجئين، تعيش فقراً مدقعا عائلة الفلّاح الذي حرث الارض التي بني فوقها منزلي الحالي. ووفقا للجهاز القضائي الاسرائيلي، يحق لتلك العائلة ان تستعيد أرضها فورا، بما في ذلك عملية اخلاء بالقوة ان لزم، وأن تهدم تلك العائلة منزلي وتعود لزراعة البرتقال المعد للتصدير فوق انقاضه، فالمحكمة اللوائية في القدس التي قررت أن من حق ممثلي "لجنة الطائفة السفارادية" استعادة الشقق التي تمتلكها عائلات حنون والغاوي في حي الشيخ جراح في شرقي القدس فتحت ملف الـ 48.

ولو كان في اسرائيل جهاز قانون وعدالة متساوق، ولو كان الجهاز القضائي فيها نزيها، لصفق ملايين الفلسطينيين للمحكمة وخرجوا على الفور في تظاهرات فرح بعد صدور مثل هذا القرار. إذ إن الطريق أمام اعادة احلال العدالة التي دنست في بداية هذا القرن فتحت على مصرعيها امام الجميع. وبامكان اليهود والعرب ان يطالبوا من الان فصاعدا باستعادة املاكهم، وستكون العودة بدعم واسناد من جهاز القانون والقضاء الاسرائيلي. ولكن بطبيعة الحال ليست الامور على هذا النحو في بلادنا.

فالمحكمة التي حسمت مصير العائلتين الفلسطينيتين وحكمت عليهما بفقدان مأوى تحت قبة السماء، وادخلت مستوطنين متطرفين محرضين على الحقد والكراهية الى منزليهما، عادت ورسمت الصورة الحقيقية لسلطة القانون في اسرائيل: قانون عنصري ذو منظومة قانونية منفصلة؛ واحدة لليهود والاخرى للعرب! منظومة قانونية مزدوجة المعايير.

ربما يتوجب التعبير عن الامتنان للمحكمة على قرارها الفاضح هذا، فهي لم تتسبب فقط في اثارة موجة احتجاج عالمية منددة بإسرائيل، بل وكشفت ايضا وجهها الحقيقي؛ فهناك قضاة في القدس أقروا رسميا نظام الابارتهايد، وأن حقوق الملكية تعود لليهود وحدهم.

المسافة بين الشيخ جراح والشيخ مؤنس اصبحت قصيرة دفعة واحدة. فمن يدعي ان من الواجب اعادة املاك اليهود لا يمكنه ان يتنكر لحقوق الفلسطينيين، فقط بسبب اصولهم القومية. صحيح ان هناك منظومة قرارات وأنظمة متشددة تمنع الفلسطينيين مما تتيحه لليهود، ولكن على كل اسرائيلي نزيه الآن ان يسأل نفسه ما إذا كانت هذه منظومة العدالة في بلادنا، وهذه دولة القانون "الـيهودية" التي يرغب فيها ويريد ان يعيش في ظلها؟

ليس من الممكن وضع خط تحت مظالم العشرينيات من القرن الماضي، طالما ان مئات آلاف اللاجئين يذوون في مخيماتهم. ولن تصمد اي تسوية من دون حل لمشكلتهم، وهذا الحل ممكن اكثر مما تصف الجهات التي تسعى إلى التخويف في اسرائيل. ولكن قرارات على شاكلة قرار المحكمة اللوائية الاخير تصعب وضع خط فاصل واضح بين الشيخ جراح والشيخ مؤنس، بين احتلال 1948 واحتلال 1967.

منزلي ينتصب فوق ارض استلبت بالقوة، ومن واجب اسرائيل والعالم اخلاقيا ان يحرصا على رفع هذا الظلم من دون احداث ظلم والتسبب بلجوء جديدين. منزلي اقيم فوق ارض مغتصبة، ولكن العالم كله اعترف بحق اليهود في اقامة دولتهم فوق هذه الارض، بينما لا توجد دولة فوق الارض تعترف بحق اسرائيل في احتلال الشيخ جراح ايضا.

في ساعات الصباح الباكر، وخلال توجهي إلى بركة السباحة التابعة للبلدية، افكر بين الحين والاخر في  مصير اصحاب الارض الاصليين. وانا اتمنى أن أرى ذلك اليوم الذي تتحمل فيه اسرائيل المسؤولية الاخلاقية والمادية عن الظلم الذي لحق بهم. لكن الان، وبسبب قرار المحكمة اللوائية في القدس، هناك شك ايضا بصدد حقي في مواصلة السباحة هنا.

التعليق