سلام كنعان: "الدويندي" هو عشّ التجليات الذي شيدته بالمحبة والجمال

تم نشره في الأربعاء 5 آب / أغسطس 2009. 10:00 صباحاً
  • سلام كنعان: "الدويندي" هو عشّ التجليات الذي شيدته بالمحبة والجمال

تشكيلي أردني يمزج جماليات المدن العربية بنبض الإنسان وملامحه
 

غسان مفاضلة ديما محبوبه

عمان– ما أن تَدْلف إليه من منبسط عتباته، التي ألفت خطى عشاق الفن وترانيم الجمال في العاصمة عمان، حتى تجد نفسك مدفوعاً بالفضول والدهشة إلى ولوج محراب التشكيلي سلام كنعان، والطواف في أرجائه الفسيحة على ذاكرة المكان وروحه المنذورة بالمحبة كلّها إلى الألفة وتجليات الإبداع.

اسمه غاليري "الدويندي"، ويسميه صاحبه ومؤسسه بـ"العش"، وتارة يطلق عليه "بالمحراب"، ومهما اختلفت الأسماء أو تشابهت، فإن للمكان من اسمه ومن قسمات صاحبه والتمعات روحه، وافر النصيب.

حينما شرع كنعان، قبل نحو عقد من الزمان، في تأثيث المكان بالحلم والتنوع والخيال، كان يدرك أن الركن الصغير على جنبات شارع الرينبو في جبل عمان، ليس سوى "عشّه" الحميم، والحاضن الأمين لحلمه الشاسع والممتد على مساحة وطنه العربي الكبير.

من هنا وقع اختيار كنعان، الحاصل على بكالوريوس الفنون الجميلة من جامعة اليرموك العام 1987، وشهادة الماجستير من المدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة من باريس "البوزار" العام 1993، على اسم "عُشّه" ومحرابه الجمالي "الدويندي"، وهي المفردة الإسبانية التي منحها شاعر أسبانيا الشهير غارسيا لوركا، ألقاً ووهجاً خاصين بجذوة الإبداع وروحيته، والتي تشير في جميع تموضعاتها إلى العاطفة النقية، أو "التجليات".

ومن ركن المكان ذاته، شرع كنعان، المولود في مدينة إربد العام 1963، والذي طاف على نحو مائة مدينة في أرجاء العالم، مقتفياً من بينها جماليات العواصم والمدن العربية في تجوالات طالت جلّ أقطار الوطن الفسيح بخرائطه الجغرافية، ليقدم مشهداً بصرياً غير مسبوق، مزج فيه جماليات المكان مع نبض الإنسان العربي وروحه التواقة إلى الانعتاق من أسر الواقع وإحباطاته المعاشة.

ومن بين المدن التي حطّ فيها رحاله، متبصراً ومستشرفاً ورائياً، كانت مدينة القدس، والتي يرى، في حديثه إلى "الغد" أنها "من أجمل مدن العالم التي عاينت مقاماتها البصرية وشواهدها الحضارية ومعالمها المعمارية، إضافة إلى مفاتن كنائسها ومساجدها ونبض الناس مع تفاصيلها وإرثها العريق".

حرص كنعان في غاليري "الدويندي"، الذي شهد منذ تأسيسه العديد من المشاريع الريادية والطموحة في طروحاتها وتوجهاتها، على جعل الغاليري نفسه عملاً فنياً متكاملاً بمقتنياته، التي صاغها بتوافق خلّاق مع روحية المكان وذاكرته الموصولة بحبليها "السرّي والبصري" ما بين عشرينيات وستينيات القرن الماضي.

ولم يتوان صاحب "العش الجميل"، كما يسميه، أن يكون هو نفسه الصانع والعامل على تأثيث مفرداته البصرية والجمالية التي تحتضن أحلامه ورؤاه المشرعة على الحب والجمال "أشعر بأن الدويندي هو عشّي الجميل، وكثيراً ما أشبّه نفسي بذلك العصفور الذي يحلّق بعيدا عن عشّه الذي صنعه، لكنه سرعان ما يعود مشدوداً بالتوق والحنين إليه".

انتقل كنعان، الذي عرف عنه حبه وشغفه برسم البيوتات التراثية في الأردن، على نحو يفيض بالحميمية والعاطفة والدفء، بخاصة بيوت مدينة السلط وبيوت منطقة الدوار الأول في جبل عمان، انتقل خلال مسيرته مع "الدويندي" من رصد تفاصيل السرديات الجزئية التي كانت تحفل بها أعماله سابقاً، إلى التركيز على جماليات المدن وعلاقة أناسها معها ضمن روحية تعبيرية تشير إلى أواصر العلاقة المشتركة بين الإنسان والمكان.

ويبوح كنعان بحميميةٍ يتقاطع فيها التشكيلي البَصيري (من بَصيرة)، مع الشاعر البصري "أجمل ما رسمته ريشتي هي المدن العربية القديمة، وخصوصا عند بزوغ الشمس"، رائياً فيها جمالية خاصة حين تطفو أشعتها على الحجارة القديمة حاضنةً الحنان والدفء والعاطفة، "حتى الحرارة هناك، لها وهج آخر لا أستشعره على البيوت الحديثة".

ولا يخفي غمرة شعوره بالرضاء إزاء ردة الفعل الأولى لزوار الغاليري من مختلف الجنسيات، "تعجبني دهشة الزوار وحملقاتهم المفتونة بمؤثثات المكان متسائلين عن مصادرها وتشكيلها وهويتها"، مبيّناً في السياق ذاته، أنّه يقوم حالياً على إنجاز مشروع مكتبة خاصة بالثقافة والفنون حيث تشكّل قيمة مضافة إلى فضاء المكان وروحيته".

تشير أعمال كنعان الفنية بمفرداتها التعبيرية المختلفة، والتي أنجزها خلال محطاته العديدة في العواصم والمدن العربية، إلى واقع الناس وارتباطاتهم بتفاصيل المكان الذي إليه ينتمون. وهو في معظم تلك الأعمال ينزع إلى مزج المكان بملامح الأشخاص وهيئاتهم، مُلمّحاً إلى رمزية مفتوحة تشير إلى قضايا الناس واشتباكاتهم مع تفاصيل واقعهم اليومي.

ويوضح في سياق متصل "جعلت من الناس جزءا لصيقاً بأرضهم، ولم اخلع عنهم هوياتهم عبر الجماليات التي يحملونها في تفاصيلهم اليومية وفي أحلامهم ومعاناتهم، وهو ما سعيت إلى إظهاره في معظم أعمالي، إلى جانب مفردات جغرافية وطبيعة تشير إلى جوهر ارتباط الناس مع جماليات أمكنتهم".

ويختتم كنعان، الذي عرضت أعماله في غير مكان من العالم، وله مقتنيات فنية في الكثير من المؤسسات المحلية والعربية والعالمية، أنه أراد من خلال أعماله الفنية التي تحاكي من يعيش في تفاصيلها "الهروب الى الأجمل عبر المسافات والأماكن الجميلة التي يقترحها قماش اللوحة المتجوّل، وضمن حلّة جديدة رغم آهات الناس ومعاناتهم، وهي حلّة أجمل من واقعهم، ومن تغيراته المعاشة في بلادهم العربية كافة".

التعليق