"أوراق معبد الكتبا": رواية المجد النبطي مؤنسنا

تم نشره في الأربعاء 22 تموز / يوليو 2009. 10:00 صباحاً

 

العقبة - بدهاء المحب يستدعي الروائي هاشم غرايبة في روايته "أوراق معبد الكتبا" الصادرة حديثا تاريخ البترا التي تنغرز في الصخر وشما على جبين الزمان، فيتخذ النص منحى استرجاعيا للمجد الذي يتأنسن على ألسنة شخوص لكل منهم خصوصية سردية تأسر القارئ الذي يقع في فخاخ القص فيستسلم أمام دفاعاته الحصينة.

على خطى صاحب نوبل 2006 التركي ذائع الصيت اورهان باموك في روايته "اسمي أحمر"، يتجول غرايبة في متحف التاريخ الثر، فيستدعي الحارث الرابع ملك البترا الشهير فيرسمه في حبكة الرواية التي تتحايل علي الزمن، فتستنطق أشخاصا فاعلين في الزمن النبطي لتضفي على السرد طابعا استشرافيا للقادم على الرغم من وقائع الألم ومآلات المصير الذي راحت اليه البترا على يد الغازي الأجنبي.

الرواية التي تقع في 324 صفحة من القطع المتوسط تغوص في تاريخ البترا إبان حكم الحارث الرابع الذي خلّد الأنباط في واد غير ذي زرع عبر محوري الحضارة ونحتها في الصخر الوردي والصمود في وجه الغزاة الروم وأعوانهم.

يذهب غرايبة الى أنسنة الأمكنة النبطية فيربطها بلا تردد بتفاعلات النفس البشرية لينحت بناء روائيا يتقاطع مع ما ذهب اليه باموك وجورجي زيدان وأمين المعلوف إذ يفرد مسرحه لشخصيات الرواية لتتدفق في تجلياتها معبرة في حواراتها الداخلية (مونولوج) عن رؤيتها للأحداث وعلاقاتها مع الآخرين في المتن الروائي.

مدى فصليها يقطع شخوص الرواية صمت الأمكنة والمفازات بالحديث عن تداعيات الأحداث في عهد الحارث الرابع الذي عمر 75 سنة وطبقت شهرة مملكته الآفاق قوة شكيمة وحكمة وعدالة حكم.

يتكئ غرايبة في روايته التي اتبعت أسلوبا سرديا ممتعا يجمع بين السهولة والامتناع على شخصية محورية تدور حولها الأحداث وتسهم هي فيها بفاعلية، وهي شخصية الوزير الأول "سفيان" في دولة الحارث الرابع.

سفيان هذا مثقل بشخصية إشكالية توائم السياسة والإبداع، فمن جهة هو وزير للتعليم ومستشار خاص للملك الحارث ومبعوثه الشخصي في مفاوضة الأعداء والأصدقاء، وهو في آن مؤرخ وكاتب قصر يروي تفاصيل الحدث النبطي نهضة وعمرانا وصراعات سلطة.

تلامس شخصية سفيان متن الرواية وراويها في تحريك خفي أجاده غرايبة، خصوصا في مهمته الصعبة التي أوكلها له الحارث في إعادة ابنته التي تزوجها أحد أمراء الروم.

كان سفيان يدرك استحالة مهمته أو هذا ما بدا له بيد أنه قبل المهمة وتحديها الكبير امتثالا لرغبة الحارث الذي ربما كلفه النهوض بها بتحريض من حاشية تتمنى له الموت، لكنه يتذكر الابنة الصغيرة التي كانت تفوح منها رائحة الخزام، فهو كان أستاذها وكانت الأكثر شقاء ونضجا أنثويا.

يقول سفيان: مددت يدي مسلما فأمسكت كفي بيديها الناعمتين وانزلقت خارجة من الهودج وبلا وعي بما حولي ألفيتها في حضني دفعتها قليلا بحرج لكنها ضمتني بفرح غامر فتلقفتها بحنان بالغ.

سفيان العاشق المعلم ينسج خيوط روايته ورحلته لتخليص الأميرة "سعدات" من أسرها، فما بين رحلتي الخلاص من الأسر والبناء في البترا تظل خيوط الرواية تراوح بين الواقع والطموح الى أن تختفي شخصية الرواية ومؤرخ البترا سفيان فجأة، فلم يعد أحد يراه، إذ قيل إنه غادر المملكة الى عالم آخر وقيل إنه راح ضحية الصراع الداخلي على السلطة.

في آن بدت شخوص الرواية باهتة، مهزومة من داخلها في سياق البحث عن مكانة في مملكة البترا، في حين لم تنل شخصية الحارث الرابع اهتماما يستحقه بارث تاريخ حكمه الوثاب الذي شيد مجدا نبطيا عبر 42 عاما هي مسيرة حكمه على الرغم من طقوس الولاء والطاعة التي يدمن على ترديدها شخوص الرواية، إلا أن القارئ يظل منتظرا معرفة أكثر عن الحارث الذي ملأ الدنيا وشغل الناس.

تسقط الرواية حدثا تاريخيا مهما أكده علماء الآثار والأنثروبولوجيا أخيرا وهو أن شعب البترا مات ميتة جماعية بتسميم مياه الآبار التي تزود المدينة التي تحصنت طويلا في وجه الحصار الروماني، وصمدت حتى لم يجد الغزاة سبيلا لاقتحامها الا بتسميم مياه ينابيعها لتختتم قصة ملحمة تاريخية للمقاومة النبطية.

تدع الرواية تاريخ البترا مفتوحا على غير احتمال، ففي غمرة احتفالاتها بعودة الحارث الرابع منتصرا من دون قتال بعد موت إمبراطور روما تيبريوس الرابع عشر وتراجع حملته التي سيرها لغزو البترا، يظل كاتب البترا الجديد "فينان" حفيد كاتبها الأعظم "سفيان" مكبا على أوراق التدوين فيكتب: بحزن جارح أشيع أبي وافتقد جدي فأجمع رقاع جدي سفيان في جلد متين وأكتب عليه "أوراق دار الكتبا" يتحدثون في هذه الأوراق عن الدماء والصخور عن المجد والخلود عن الأحلام والفؤوس.

عن العقول الفطنة والإرادة القوية.

لم يتحدث عن الأحزان العميقة سواي.

هكذا.

يختتم غرايبة روايته لينسج تاريخا نبطيا امتزج فيه الصمود باليأس والفرح واللغة بنكهة الحجر الوردي الذي ما يزال شاهدا على حاضرة عربية كانت هنا يوما معمدة بشقاء وتعب وألق.

التعليق