"كل قصة وإلها حكاية": أول أوبرا فلسطينية بالعربية أبطالها أطفال وفنانون "كبار"!

تم نشره في الأحد 19 تموز / يوليو 2009. 10:00 صباحاً
  • "كل قصة وإلها حكاية": أول أوبرا فلسطينية بالعربية أبطالها أطفال وفنانون "كبار"!

مريم سعيد تستهجن الهجوم على العرض وبرينباوم يراه "تضامنيا لا تطبيعيا"

يوسف الشايب

رام الله- لم يكن الأطفال على الهامش كممثلين وعازفين، بل كانوا الأساس في العرض الأوبرالي "كل قصة وإلها حكاية" لمؤسسة برينباوم- سعيد الموسيقية، على الرغم من مشاركة فنانين كبار، لهم باع طويل في تاريخ المسرح الفلسطيني وحاضره، كالفنان فرانسوا أبو سالم، أحد مؤسسي المسرح الفلسطيني، والذي قدم باقتدار كعادته دور "الغريب" الذي شارك في رواية حكاية جميل وأميرة، إضافة إلى قيامه بإخراج العمل، والفنانة المبدعة نسرين فاعور التي قدمت بتلقائية أضافت نكهة خاصة إلى العرض دور العمة، ومروان شامية الذي جسد دور الصياد الذي يوقع الأميرة في شباكه، وإيناس مصالحة التي قدمت دور الأميرة "أميرة"، وغيرهم من الفنانين كربيع الحاج عبد، وجميل صليبا، وجنى عويس.

العمل الذي احتضنته قاعة قصر رام الله الثقافي في ثلاثة عروض غصت بالجمهور، كان آخرها مساء أول من أمس الجمعة، رغم حملة المقاطعة التي دعا إليها عدد من المثقفين والمؤسسات، من تأليف باولا فونفيك، التي شاركت أبو سالم في الإخراج، عن موسيقى لـ"أرياجا".

وجاء العرض الأوبرالي الفلسطيني الأول باللغة العربية المطعمة بالعامية المحلية، ليروي حكاية الأميرة التي تعشق الصياد بدائي الطباع، على عكس طباعها، فتختطفه جواريها بعد تخديره، وتبدأ الأميرة بتدجينه بعد أن تقنعه بحبها له، ليتناسب مع اللقب الجديد "الأمير"، أو "زوج الست"، على حد تعبير الصياد الذي يخضع لدورات مكثفة في اللغات، والرياضيات، وأصول التعامل، وغيرها، إلا أنه وقبل الزفاف يرفض التدجين، ويقرر العودة إلى طبيعته. وتكاد تنتهي الحكاية المغناة في الكثير من مقاطعها بالفراق، إلا أن العاشقين يعودان إلى بعضهما بعضا بعد اقتناع الأميرة بأن عليها، إن أرادت استمرار العلاقة مع فارس أحلامها، أن تقبله كما عرفته، صياداً بطباعه التي كانت تراها "مستهجنة وغريبة وهمجية أحيانا".. ليتم الزفاف في النهاية.

الفنان فرانسوا أبو سالم أشار إلى أن ما شجعه على خوض غمار هذه التجربة هو النص أولاً، ثم فكرة القيام بالدمج ما بين الموسيقى والمسرح في أول أوبرا فلسطينية باللغة العربية، وكذلك فكرة العمل مع الأطفال. ويقول "رغم صعوبتها، وضيق الوقت.. أعتقد أنها تجربة مهمة".

وترى الفنانة نسرين فاعور، في العمل تجربة مهمة في مسيرتها الفنية، وقالت: "لم أتردد حين اختارني المخرج فرانسوا أبو سالم لتقديم دور العمة لعدة أسباب، إضافة إلى خصوصية الدور، على رأسها أنني كنت مهتمة بالمشاركة في أول أوبرا فلسطينية، إضافة إلى أهمية التواصل مع جمهور رام الله، وخصوصية العمل مع الأطفال"، مضيفة "الأطفال مدرسة.. كثيراً ما نتعلم من الأطفال، وهو ما كان خلال الأوبرا".

وتعرضت الأوبرا لهجمة من عديد المؤسسات والمثقفين والكتاب الفلسطينيين، بدعوى أنها تدخل في إطار التطبيع مع الاحتلال، وجمعوا توقيعات تطالب بعدم عرضها في رام الله، وهو ما استهجنته مريم سعيد، أرملة المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد، الذي أسس برفقة الموسيقار دانيال برينباوم أوركسترا الديوان الغربي الشرقي، في إطار مؤسسة برينباوم- سعيد.

وقالت سعيد في حديث خاص "بداية أنا أستهجن هذا الهجوم، ولا أجد مبررا له، فالمؤسسة ممولة بالكامل من إسبانيا، عبر حكومة الأندلس، وغير صحيح أنها تتلقى أموالاً من أية جهة أخرى، وخاصة إسرائيل، كما ادعى البعض.. ولا قرش بيجي من إسرائيل.. ولا مليم". وتضيف "في الحقيقة لا أفهم لماذا هذه الحرب على الأوبرا، وعلى المؤسسة.. أنا منزعجة ومقهورة لأنهم يهاجمون إدوارد سعيد. نعم من يهاجم المؤسسة يهاجم إدوارد لأنها مشروعه الأهم كما كان يؤكد على الدوام. إنهم يسيسون الفن، ويسيسون إدوارد الذي كان يرفض على الدوام تسييس الأدب والفن". معتبرة أن "غاية هذا المشروع التعليم، والإنسانية، والموسيقية، والتعايش.. ما يجرحني أن عدم الاتفاق مجهول الأسباب يتطور باتجاه الهجوم والتخوين.. هذا الهجوم ليس على برينباوم بل يطاول إدوارد سعيد، فنحن أسرته مصرون على أهمية هذه المؤسسة التي تعني الكثير لإدوارد".

وتكشف سعيد عن أن "فكرة مؤسسة برينباوم- سعيد كانت لها أهمية خاصة لدى إدوارد، فهو أكد أنها المشروع الأهم في حياته في محاضرته الأخيرة قبل وفاته، كونها الانعكاس الفعلي لأفكاره. وكان يرى أنها تحقق أكثر من هدف كان يسعى إليه، من بينها أن هذه المؤسسة لا أبعاد سياسية لها، وليست لها علاقة بأية حكومات، وبالتالي لا تلغي أحداً، بل تتكئ على الموسيقى للحوار، إضافة إلى كون أن هذا المشروع يوفر فرصة لمعرفة الآخر"، مشددة على أن "إدوارد كان يقول: لا يوجد توازن بين الإسرائيليين والفلسطينيين أو بينهم وبين العرب، فهم يعتقدون أنهم أفضل منا، لكن في الأوركسترا، وحين تعزف الموسيقى، فإن الجميع يتساوى، وبالتالي يجبر الإسرائيلي على التعامل مع الفلسطيني والعربي بنوع من المساواة، وهذا مهم للغاية".

من جهته، أكد برينباوم في رسالة إلى جمهور رام الله ممن جاء خصيصاً لحضور الأوبرا، أن "المؤسسة، والأوركسترا المنبثقة عنها، وكل أعمالها تأتي في باب التضامن مع الشعب الفلسطيني، وليس التطبيع". وقال "أنا موسيقي ولست سياسياً، ولكنني، مثل كثيرين آخرين في العالم، عملت كل ما في وسعي للتعبير عن قناعتي بأن الاحتلال يجب أن يزول بانسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي الفلسطينية التي احتلت في العام 1967، بما فيها القدس العربية، وأن يحل سلام عادل وشامل ودائم بين الشعبين، يقوم على أساس المساواة وتنفيذ قرارات الأمم المتحدة". مضيفاً "في الماضي مثلما اليوم، كنت دائماً أتحدث بأعلى صوتي عن لاعدالة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وكنت وما أزال ضد البناء المتواصل للمستوطنات".

ويؤكد برينباوم أن "المؤسسة التي أسستها مع إدوارد سعيد مهمة، ليس لأننا نقبل الأوضاع القائمة، بل لأننا بالتحديد نعمل لتغيير هذه الأوضاع السيئة، ولذلك مشروعنا ليس عملاً تطبيعياً، وإنما نشاط تضامني مع الشعب الفلسطيني، وضد انعدام العدالة الإنسانية، ولهذا السبب تؤلمني مشاهدة القمع الإسرائيلي للنشاطات الثقافية الفلسطينية، فالحكومة الإسرائيلية لا تملك الحق بمنع هذه الاحتفالات، كما حدث في القدس مؤخراً، خلال احتفالات القدس عاصمة الثقافة العربية".

وأوضح برينباوم "إن كان البعض أساء فهم وجهات نظري، فإنني أدعوهم للنقاش والحوار، والعمل الأهم هو إيجاد طرق للتضامن مع الشعب الفلسطيني والتعاون من أجل أجيال المستقبل.. إننا نطمح لحرية فلسطين، وللمساواة والعدالة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وعلى هذا الأساس نعزف موسيقانا".

من الجدير بالذكر أن الموسيقار العالمي دانيال برينباوم برر عدم مشاركته في حضور عروض الأوبرا في رام الله بـ"ازدحام جدول مواعيده"، معبراً عن شكره للمشاركين في العرض، وخاصة الأطفال، ولكل العاملين فيه، وداعمي العرض، وهي مؤسسات وطنية فلسطينية كبلدية رام الله، ومؤسسة عبد المحسن القطان، ومؤسسة الكمنجاتي الموسيقية.

وأشار المخرج أبو سالم إلى أن الحملة المعارضة للعمل كانت تتركز ضد شخص برينباوم، لخلافات بين بعض المشاركين فيها وبينه، مشدداً على أن الخلافات لا تحل إلا بحوار حضاري مفتوح، وليس عبر اتهامات لا أدلة عليها.

ويقول "لا أعرف برينباوم شخصياً، لكني أدرك جيداً أنه من أكثر الشخصيات العالمية الداعمة للقضية الفلسطينية.. صحيح أنه لا يتبنى خطابنا بالكامل، ونحن لا يفترض أن نتوقع منه ذلك، لكنه داعم حقيقي للقضية الفلسطينية وعدالتها".

وأكد مدير الإنتاج والناطق الإعلامي للأوبرا، سائد كرزون، أن "الهجمة لم تؤثر سلباً على الحضور، فالقاعة غصت بالجمهور الذي زاد على المقاعد المخصصة في عرضين من أصل ثلاثة، والعرض الثالث كانت القاعة شبه ممتلئة". ويقول "أعتقد أن الجمهور الفلسطيني بات يفرق بين من يقدم أعمالاً ثقافية مهمة وبين من يكتفون بكيل الاتهامات الفارغة، ويستخدمون طاقاتهم في هدم المشروع الثقافي الفلسطيني لا بنائه، خاصة أن العرض الذي شارك في الإعداد له 1200 فلسطيني وصلوا الليل بالنهار، لا علاقة له بالتطبيع من قريب أو بعيد". مضيفاً أن "نجاح العمل جماهيرياً وفنياً، أكبر رد على متخصصي كيل الاتهامات".

التعليق