فتى الهضاب من مستوطنة نوكديم

تم نشره في الخميس 16 تموز / يوليو 2009. 09:00 صباحاً

ليلي غاليلي - هآرتس

ذات صباح استيقظ المواطن (أ) فاكتشف انه مستوطن. ليس مجرد مستوطن وإنما فتى هضاب من نوكديم. وزير الخارجية افيغدور ليبرمان يقطن منذ سنوات طويلة في هذه المستوطنة الصغيرة ولكن من الصعب القول ان مكان سكناه كان عاملا مركزيا في هويته. المستوطنون لم يعتبروه ابدا لحما من لحمهم الطبيعي وليبرمان حتى تنازل عن أصواتهم. الحقيقة انه من الصعب رؤيته وهو يرتدي ملابس على غرار المستوطنين، فروة على ظهره وصندل من العهد القديم.

كل هذا تغير الآن. نيكولا ساركوزي يدعو لاستبداله وايهود باراك تم إرساله لإدارة المفاوضات مع جورج ميتشل بدلا منه، والعالم يصده وبنيامين نتنياهو لا يدافع بصورة كاملة عن وزير خارجيته، هذا بينما يتواصل التحقيق معه وتتساءل وسائل الإعلام عما يفعله وزير خارجية دولة إسرائيل بالفعل.

هناك من تدفعهم المشاكل إلى التوبة أما ليبرمان فقد دفعته هذه المشاكل للعودة إلى المستوطن الكائن في أعماقه. في لقاء مع صحافيين خلال الأيام التي نفذ بها وزير الدفاع عمل وزير الخارجية، كشف ليبرمان النقاب عن السبب الحقيقي. السبب ليس هم وإنما هو. هو المستوطن، ليس بإمكانه أن يدير مفاوضات حول مستقبل المستوطنات. هذا الأمر سينطوي على تناقض في المصالح وهو وضع توجد لدى وزير الخارجية حساسية خاصة منه. وهكذا يتبين أن في روح وزير الخارجية فتى جبال دعي للخدمة الاحتياطية من أجل إخلاء مستوطنات. ليبرمان لم يرفض الأوامر حتى وإنما طالب بعدم المشاركة في عملية الإخلاء التي تتناقض مع ضميره.

تتناقض؟ ليس بالضبط. ليبرمان يقول منذ سنوات انه مستعد لإخلاء منزله في نوكديم من اجل التسوية. إن كان الأمر كذلك فلن يكون هناك تناقض مصالح بنيوي في تدخله في العملية. الأمر الموجود هو أن هناك تغيرا في المصالح. في الماضي عرف ليبرمان كيف يخفف من صورته المتطرفة وكيف يشيح بنظره نحو المركز، والآن هو بحاجة لخطوة معاكسة. ناخبوه خصوصا العشرة مقاعد الـ "روسية" التي يمتلكها، ينقسمون إلى مجموعتين: أولئك الذين تحركهم دوافع الارتباط المجتمعي الطائفي بقائد "الشارع الروسي"، ومن دون صلة تقريبا بأجندته، والمجموعة الثانية هي الناخبون الأيديولوجيون الذين يعتقدون انه لا يستطيع أن يظهر كوزير خارجية لعملية السلام التي ترتكز على تنازلات. الأمر الأساسي في كلا الحالتين أن ليبرمان لا يستطيع السماح لنفسه بالظهور في صورة الضعيف والخارج عن مجريات الحدث.

صورته الجديدة كـ "مستوطن" هي رد ناجح بصورة خاصة على كل هذه العقدة، رد يبني نوعا من المناعة قبيل الورطات المحتملة في المجال القضائي أيضا. إن كان ليبرمان قد اعتاد في الماضي ان يكون "روسيا" في كل مرة كانت فيها مثل هذه المشاكل تصل إلى أعتابه، فانه من الصعب على وزير خارجية دولة إسرائيل أن يمثل أيضا صورة الروسي الملاحق كدور خفي. "مستوطن" ليست بالكلمة الجديدة فقط وإنما هي اختيار ذكي بالنسبة لليبرمان. الناطقون بالروسية لا يتحمسون للاستيطان ولكنهم يشعرون بالتقدير للمستوطن لكونه "شخصا آخر" مناهضا للمؤسسة الرسمية ويدفع ثمنا مقابل أيديولوجيته. هذه العلاقة تميز قطاعات جماهيرية أخرى أكثر اتساعا في المجتمع الناطق بالروسية.

يتبين ان هذا الأمر يفعل فعله بالروسية على الأقل، ويبدو أن ذلك يؤثر في قطاعات شعبية أوسع من تلك التي تحافظ وفقا للاستطلاعات على قوة "إسرائيل بيتنا". البيان الغريب حول تناقض المصالح قوبل في الإعلام الروسي بدرجة من التعاطف. هناك لا يهتمون في قضية ما يفعله وزير الخارجية وإنما ينظرون بفرح لسياسة التقارب التي يتبعها مع روسيا. من هو ساركوزي بالمقارنة مع فلاديمير بوتين الذي يتصادق مع ليبرمان ويتبادل معه الحديث بالروسية؟ في هذه المرحلة يخرج نتنياهو تحديدا خاسرا من الوضع أكثر من ليبرمان. هو يخون وزير خارجيته "الروسي" وكذلك يتراجع في المكان الذي ينتصب فيه فتى الجبال المعتز بنفسه مرفوع الهامة. هذا سلوك نموذجي.

التعليق