اليسار ذهب للبحر

تم نشره في الخميس 9 تموز / يوليو 2009. 10:00 صباحاً

8-7

الوف بن

هآرتس

المطلب الأميركي من إسرائيل بتجميد البناء في المستوطنات ينطوي على مضيعة كبيرة، فالرئيس باراك اوباما واعوانه لم ينجحوا في اثارة جدل داخلي في اسرائيل حول المستوطنات ولم يشكلوا تحديا سياسيا او شعبيا لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في مواجهة اصراره على الاستمرار في "النمو الطبيعي" فيما وراء الخط الاخضر.

وقد اظهر استطلاع "هآرتس – غالوب" الذي أجري يوم الجمعة ان الجمهور منقسم حول الحسم بين البناء في المناطق او صداقة اوباما. ومع ذلك لم يقف اي سياسي في اسرائيل في مواجهة نتنياهو مطالبا اياه بقول نعم لاوباما وتجميد المستوطنات لا تسيبي ليفني وكاديما اللذان فوتا فرصة مناكفة رئيس الوزراء بسبب ازمة العلاقات مع اميركا. وكذلك الأمر بالنسبة لتامير ومتمردي العمل الذين كان بمقدورهم اظهار ايهود باراك "كعميل" للمستوطنين. وحتى ميرتس التي تحاول اعادة بناء نفسها لم ترفع راية الكفاح التي قدمها لها اوباما.

خلال النقاش في الكنيست قبل اسبوع هاجم عدد من اعضاء الكنيست من المعارضة نتنياهو بسبب الخلل في العلاقات مع الولايات المتحدة. الا ان احدا منهما بمن فيهم اعضاء الكنيست العرب لم يدعه لقبول مطلب اوباما.

صمت اليسار مذهل ان تذكرنا الازمة السابقة في العلاقة مع الولايات المتحدة في عهد بوش الاب. في حينه طالب حزب العمل شامير بقول "نعم" لبيكر وعندما رفض ذلك فكك حكومة الوحدة. وبعد ذلك بعامين ايد اليسار الأميركيين الذين اشترطوا اعطاء الضمانات المالية لدعم المهاجرين الجدد بتجميد الاستيطان. والآن؟ لا شيء. اليسار يبدو وكأنه يقول دعوا بيبي واوباما يتخاصمان ونحن سنذهب للبحر.

ما الذي حدث؟ اولا اوباما لم يحاول التوجه للجمهور في اسرائيل واقناعه بأن تجميد المستوطنات سيكون خطوة هامة ستساعد في تحقيق السلام ومستقبل افضل. لقد تحدث اوباما الى العرب والمسلمين ولكن ليس للإسرائيليين. وعزز تجاهله الخوف في إسرائيل من عدم وجود صديق في البيت الابيض وان الرئيس هو "حسين" المؤيد للعرب والذي يتعرض لنتنياهو. وقد ساهمت محاولة الادارة الأميركية الحمقاء نفي وجود تفاهمات بين بوش واسرائيل حول البناء في المستوطنات في تعزيز هذا الانطباع. كان من الممكن اتهام اسرائيل بتجميد وعودها او التوضيح بأن السياسة قد تغيرت وتفسير السببل ولكن ليس اللجوء للكذب.

ثانيا: إن اغلبية الإسرائيليين لا تزور المستوطنات ولا تعرف اين هي وما الذي يبنى هناك. ويعرف المطلع على التفاصيل ان البناء يتمحور في معاليه ادوميم وبيتار عيليت وموديعين عيليت وجبعات زئيف – اي "الكتل" الاستيطانية – وانها مخصصة بالاساس للاصوليين اي لحل المشاكل الاجتماعية والسياسية وليس "لوضع العراقيل" امام عملية السلام. ومن المريح للعلمانيين تحديدا ان يقطن الاصوليون في مناطق بعيدة عن الانظار.

ثالثا: رام عمانويل الاستراتيجي في ادارة اوباما في مجال العلاقات مع اسرائيل لاءم سياسة الادارة مع الوضع السياسي في الكونغرس بهدف اخضاع اللوبي اليهودي. وقد عرف انه لا يوجد هناك تأييد "للنمو الطبيعي" في المستوطنات وان الضغط على نتنياهو من خلال مطلب التجميد سيكون سهلا ويتركه من دون حليف في واشنطن. ولكن عمانويل تجاهل الساحة السياسية في اسرائيل ويبدو ان الادارة تفتقد "للأعين والآذان" في القدس. وربما لهذا السبب تم تعيين دينس روس في البيت الابيض مؤخرا الى جانب الرئيس خبيرا في السياسة الإسرائيلية.

رابعا: لم يحصل اوباما على اي مقابل من الفلسطينيين والدول العربية واصراره تجميد الاستيطان قيد محمود عباس في موقف الرافض لاجراء المفاوضات مع نتنياهو. في ظل هذا الوضع يصعب على اليسار الإسرائيلي اتهام الحكومة بهدر فرص السلام المحتملة.

خامسا: كلما مر الوقت بدى ان مطلب ايقاف البناء في المستوطنات يهدف الى اظهار الابتعاد عن اسرائيل كوسيلة لتحسين العلاقات بين الولايات المتحدة والعالم العربي. وقد ابتز اوباما من نتنياهو تأييد "الدولتين لشعبين" وكان بامكانه الاكتفاء بذلك كاساس للعملية السياسية. ولكنه حول تجميد المستوطنات الى مسألة كرامة وسيفسر أي تنازل اميركي ولو حتى عن هيكل مبنى كتراجع رئاسي عن الموقف. عندها يكون الجدل حول الطرف الأقوى وليس حول جوهر المسألة. وسيتهم من يدعو نتنياهو بالخضوع لاوباما. بانعدام الوطنية واليسار الإسرائيلي لا يريد التورط في هذه الزاوية.

التعليق