علاقات أوباما وإيران

تم نشره في الخميس 9 تموز / يوليو 2009. 10:00 صباحاً

8-7

البروفيسور ابراهام بن - تسفي

اسرائيل اليوم

تاريخ سياسة الخارجية والامن الأميركية مليء بقضايا اظهر فيها الزعماء تصلبا وعنادا فكريا دفعهم الى مواصلة الالتصاق باصرار لا هوادة فيه بمعتقداتهم وتوقعاتهم المسبقة حتى بعد أن تبين أنها غير صحيحة ومنقطعة تماما عن المجال الحقيقي والواقعي. حتى اليوم يعتبر انهيار المفهوم المتجذر عن النصر العسكري الممكن في فيتنام حدثا باعثا على الصدمة ومصمما لتاريخ الامة. ولكن رغم كونه مأساة اميركية، كشفت وجسدت بشكل طاهر ونقي المخاطر الكامنة في الاستعداد للمفهوم الفكري الذي يقوم على الاماني اكثر مما يقوم على تحليل الحقائق الباردة، لم تنجح هذه القضية البشعة، بجملة دروسها، في منح قادة الولايات المتحدة الحصانة الوطنية بعيدة المدى لمنعهم من الغرق مرة اخرى في غياهب الوهم.

هكذا مثلا تميز عهد الرئيس كارتر بالجمود الفكري في كل ما يتعلق بفهمه للثورة الاسلامية في إيران. ويدور الحديث عن الايمان الساذج والتبسيطي في أن حكم آية الله الخميني ليس منفردا ابدا، وعليه يمكن اقامة قنوات حوار وتوافق مع ممثلي التيار المعتدل والبراغماتي داخله. وفقط بعد مرور 15 شهرا باعثة على الاحباط، وفي ضوء الطبيعة المتزمتة الظاهرة لنظام الثورة الاسلامية (الذي بقي لا مباليا لكل مساعي كارتر لتحرير الـ 53 دبلوماسيا أميركيا الذين حشروا في نطاق السفارة الأميركية في طهران من خلال رزمة حوافز اقتصادية واستراتيجية)، استيقظ كارتر من احلامه وأمر بالشروع في حملة عسكرية لانقاذ الرهائن (والتي انتهت بالفشل).

مرت نحو ستة اشهر منذ تنصيب باراك اوباما رئيسا ويبدو أن الرئيس الـ 44 للولايات المتحدة لم يستخلص الدروس اللازمة من قصور ادارة كارتر قبل نحو ثلاثة عقود. وحتى بعد القمع الوحشي لاحتجاج الحركة الاصلاحية لا يلوح أي تغيير في مدى التزام وولاء الرئيس للمفهوم الابتدائي الذي اتخذه بالنسبة لايران.

حسب هذا المفهوم، يمكن تلطيف وتخفيف حدة الازمة الايرانية من خلال الحوار البناء الذي يستند الى جزرة الاغراءات الاقتصادية كأساس للصفقة في مسألة النووي. ومن أجل دفع هذه الرؤية الى الامام، رؤية "ترويض العاق" من طهران بقي أوباما مصمما على رأيه في الامتناع عن أي قول أو عمل مثير للحفيظة تجاه طهران خشية أن يمس الامر باجواء المصالحة التي حاول خلقها فيقلل بذلك مدى استعداد ايران للاستجابة لمساعي الغزل من جانبه.

وبالفعل، بينما بقيت عصا التحذير والتهديد عميقا في جيب اوباما، كانت التصريحات العلنية الاولى تجاه ايران مشبعة بالنية الطيبة، وبالعطف بل وحتى بالاعتذار المبطن عن اخطاء الماضي.

ولكن رغم ان هذه البادرات الطيبة لم تحظ حتى الان باي صدى في العاصمة الإيرانية، لم يهجر الرئيس مفهوم "الحوار البناء" كرافعة لدفع الاتفاق على المستوى النووي الى الامام. ولم ينحصر الأمر في أن الرد الاولي من البيت الابيض على موجة الاحتجاج التي اندلعت في إيران كان صمتا صاخبا، بل إنه رغم التفاقم التدريجي الذي لاح في اسلوب الانتقاد الذي أطلقه، حرص أوباما على ان يترك قنوات الحوار مع النظام الإيراني مفتوحة على مصراعيها. كما ان من الصعب التقدير ما كانت عليه الاثار المحتملة لسياسة أميركية نشطة واكثر حزما على ساحة المواجهة مع إيران – قصة الصحافية الأميركية من اصل إيراني، روكسانا صبري، تثبت أن ممارسة الضغط الشديد وعديم المساومة كفيلة بان تعطي ثمارا حتى في طهران المتزمتة والاصولية. وحقيقة أن صبري، التي حكمت لثماني سنوات في السجن بسبب جرائم خيالية نسبت لها، حررت مؤخرا بعد عدة اشهر من السجن في اعقاب نشاط أميركي ودولي مصمم وحازم، تدل على أنه يمكن التصرف بطريقة اخرى.

في هذه المرحلة لم يتبقَ سوى الانتظار لرؤية اذا ما كانت دروس هذا الحدث المنفرد ستتسلل الى المستوى الاستراتيجي الشامل لتحرك "كل رجال الرئيس" نحو فحص متجدد للمفهوم "الطري" الذي تبنوه في السياق الإيراني وربما ايضا في جهات اخرى (اولا وقبل كل شيء في كوريا الشمالية التي تواصل اعمالها الاستفزازية حيال جيرانها الاقليميين والسيد الأميركي).

إن شعاع ضوء منفرد في الظلام، ربما يلمح لبداية عملية التحرر لادارة اوباما من مفهومه الإيراني، يتمثل في التصريح الاخير لنائب الرئيس بايدن والذي يمكن وصفه كمنح ضوء اصفر بل وربما ضوء اخضر لإسرائيل لعمل عسكري ضد إيران مع قدوم الوقت. وستكشف الايام اذا كان هذا القول بالفعل يعبر عن انتقال الى استراتيجية أكثر حزما في ظل الاعتماد على التهديد الإسرائيلي ام أنه ينبغي رؤيته كزلة لسان اخرى من جانب من لسانه رشيق بشكل عام.

التعليق