المواد الغذائية المحوّرة وراثيا تساهم في سد النقص رغم مخاطرها

تم نشره في الاثنين 6 تموز / يوليو 2009. 10:00 صباحاً
  • المواد الغذائية المحوّرة وراثيا تساهم في سد النقص رغم مخاطرها

د. عاصم الشهابي

أستاذ الميكروبات الطبية، كلية الطب - الجامعة الأردنية

عمّان - يشهد عالمنا الحالي تطوراً مثيراً ومهما جداً في مجال أبحاث وصناعات التكنولوجيا الحيوية، وبخاصة فيما يتعلق بإنتاج مواد غذائية أساسية وضرورية لسد حاجة الزيادة الهائلة بعدد سكان العالم والذين يتكاثرون بنسبة أكبر مما تستطيع أن تنتجه الأرض بالظروف الحالية.  

كما ماتزال الغالبية العظمى من المواطنين يسمعون عن المواد الغذائية المحوّرة جينيا، ولكنهم لا يعرفون حقيقة كيفية تصنيع هذه المنتجات أو يعرفون الأبعاد الصحية والعلمية والاقتصادية والأخلاقية المعقدة التي يجب أن تحكم إستهلاك المواد الغذائية المحورة جينيا.

وتعرف التكنولوجيا الحيوية بأنها عملية تغير جزء بسيط جدا في الخريطة الوراثية لنوع أو أكثر من خلايا النبات أو الحيوان، وغالباً ما يتم ذلك باستخدام جزء من المادة الوراثية المستخلصة من أحد الميكروبات.

ويهدف التغيير الوراثي هذا إلى زيادة في أحد منتوجات النبات مثل الذرة وفول الصويا أو إنتاج بذور نباتات محورة وراثياً لمقاومة تأثير الحشرات والأمراض والجفاف التي تصيب البطاطا والبندورة والتبغ والقطن وغيرها. ويتم حاليا تطوير أنواع وراثية من الأبقار والأغنام لإنتاج حليب ذي مواصفات غذائية خاصة يحتوي على أنواع مفيدة من البروتينات والفيتامينات التي تساعد على مقاومة عدد من الأمراض أو تساعد على تعزيز صحة ورفاه الإنسان.  

وأصبحت التكنولوجيا المتقدمة خلال الأعوام القليلة الأخيرة تتطور بسرعة فائقة، وتقلق أهل العلم والسياسة والاقتصاد في جميع أنحاء العالم، تخوفاً من نتائجها المحتملة على صحة البشر وتأثيرها المباشر وغير المباشر بالقضاء على التنوع الحيوي بين النباتات والحيوانات في العالم والذي تراكم عبر آلاف الأعوام.

ومن المعروف أن هناك عددا محدودا من شركات التكنولوجيا الحيوية العملاقة التي تسيطر على غالبية المنتجات المحورة في الأسواق العالمية، وهذا الواقع يدعو إلى أن يعرف الجميع أن هناك أيضا مخاطر اقتصادية ومعيشية ترتبط بتسويق منتوجات التكنولوجيا الحيوية الأساسية والمحمية عالمياً بملكية الاختراع والتسجيل.

وتستطيع هذه الشركات إن رغبت أن تتحكم بمصائر الشعوب في البلدان النامية، وتفرض عليها شراء منتجاتها من بذور محورة وراثياً لاستعمالها في الزراعة، أو سلالات حيوانية لإنتاج اللحوم والألبان بالسعر الذي تراه مناسباً لها. 

 ويعرف العلماء الاختصاصيون بأن آفاق التكنولوجيا الحيوية ماتزال في بداية الطريق، وتشمل، قريباً، المزيد من منتوجات الغذاء والدواء. ويفترض أن يرحب غالبية الناس بمنتجاتها الحيوية باعتبارها محصلة للتطور العلمي والإبداع الإنساني الذي يسود عالم اليوم، وبخاصة إذا كان هذا التطور سيؤدي عمليا إلى زيادة الإنتاج الغذائي وتحسين صحة الإنسان وحمايتها من الأمراض المستعصية وأوبئة الأمراض، كما يحدث حاليا مع مرض إنفلونزا الخنازير.

ولكن على الجانب الآخر، يجب التأكد أيضا بأن منتجات التكنولوجيا الحيوية يجب أن تساهم فعليا في خدمة حاجة ورفاهية الإنسان، وأن لا تضر بالصحة فتؤدي إلى ظهور أمراض جديدة مثل مرض الحساسية التي ظهرت مع استعمال فول الصويا المحور وراثياً، مما أدى إلى توقف استعمالها لتغذية الإنسان، إذ يقتصر استعمالها حاليا على إطعام الحيوانات، كما أدى استعمال بذور النباتات المحورة وراثياً في بعض الحالات إلى زيادة في استعمال مبيدات الأعشاب بدلاً من خفضها، وإلى انتشار سلالات جديدة مقاومة للمبيدات مما يضر ببيئة الإنسان الطبيعية.         

ومن المهم أن يعرف الاختصاصيون في مجالات صحة الإنسان والحيوان، بأن نقل جزيئات المادة الوراثية بين أجناس النبات والحيوان المختلفة يتم بمساعدة جينات مقاومة لأحد المضادات الحيوية. وهذا العامل الجيني يمكن أن يؤدي لاحقا بأن يصبح جسم الإنسان أو الحيوان لا يتقبل العلاج بالمضاد الحيوي المستعمل أو يؤثر بطريقة غير مباشرة على بكتيريا الجسم الطبيعية التي تنتشر في أجزاء مهمة من جسمه، وبخاصة في الفم والأمعاء.

ولا بد أن يتم بصورة علمية وبدقة مناقشة الأبعاد المتعددة لاستعمال منتجات التكنولوجيا الحيوية المحورة وراثياً وتأثيراتها الآنية والمستقبلية على حياة الإنسان، للاستفادة منها بأقل الأضرار.

ومن المؤكد علميا بأن هناك جانبا مفيدا وضروريا بأن يتم استعمال بعض تقنيات البيولوجيا الحيوية في إنتاج أدوية بشرية وحيوانية وتحسين الإنتاج الزراعي والحيواني، كما يجب أن يتم تعريف المستهلك بوضوح وصدق بالإعلان عن أية مادة غذائية تباع بالأسواق، إذا كانت محورة وراثيا، لأن هناك أنواعا من الأغذية تباع في العالم لا تحمل إشارة بأنها محورة وراثيا، وعلى الدوائر الرسمية المختصة التأكد من المعلومات المرفقة بالمواد الغذائية المستوردة.

التعليق