صالات السينما في عمّان تحاول مقاومة الزمن بعد أن هجرها روّادها ومحبوها

تم نشره في الأحد 5 تموز / يوليو 2009. 10:00 صباحاً
  • صالات السينما في عمّان تحاول مقاومة الزمن بعد أن هجرها روّادها ومحبوها

 

عمّان- الحسين وفيلادلفيا وبسمان ورغدان والخيام وزهران وغيرها، كلها أسماء لأبرز دور السينما في عمان التي اكتظت في الأيام الخوالي في خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي بالمشاهدين وباتت أبواب القسم الأكبر منها موصدة اليوم بعد أن هجرها روادها ومحبوها.

وأبواب دور السينما هذه إما أغلقت اليوم بأقفال كبيرة تراكم عليها غبار الأيام أو تحولت إلى دور عرض مهملة تعرض أفلاما آسيوية وأميركية قديمة مقابل أسعار تذاكر زهيدة أملا في جذب بعض المتعبين أو المتطفلين من المارة.

ويتذكر سميح عبدالله، السبعيني الذي عمل 44 عاما بلا كلل في السينما، بألم وحسرة ما أسماه "العصر الذهبي" لهذه الصالات.

ويقول عبدالله الذي بدأ عمله في السينما لأول مرة العام 1959 في سينما "البتراء" وسط عمان كمساعد مشغل أفلام إلى أن أصبح مديرا لسينما "فيلادلفيا" حتى إغلاقها العام 2003، يقول: بسبب ضعف الإقبال "كنا نعرض أحدث الأفلام وكان الناس يعشقون السينما إلى حد كبير حتى كانت هناك أيام خاصة للعائلات. ومن شدة الإقبال والإزدحام كانت هناك تذاكر تباع في السوق السوداء".

وأضاف "كانت المقاعد التي تتجاوز الـ500 تمتلئ بالحضور في أجواء رائعة، والمشاهدون كانوا ينتظرون بولع وشغف بدء الفيلم، كانت السينما أحد الطقوس الاجتماعية والعائلية المحببة للناس".

وما يزال عبدالله حتى الآن وبرغم تقدمه في العمر يحفظ عن ظهر قلب أسماء عشرات الأفلام العربية وأفلام رعاة البقر (الكاو بوي) الأميركية والافلام الهندية وأسماء ممثليها التي كانت تعرض آنذاك.

لكن عبدالله ينظر بأسى إلى حال السينما هذه الأيام، ويقول "كل شيء تغير اليوم والأفلام باتت تباع بأبخس الأثمان على الطرقات وباستطاعة المرء مشاهدتها وهو جالس على أريكة ومرتاح في منزله".

ويرى أن ظهور الفضائيات وأجهزة الـ "دي في دي" والأقراص المدمجة لعبت دورا حاسما في انكماش دور السينما التي تراجع عملها ثم أغلقت أبواب معظمها؛ بسبب خسائر خلّفها ضعف الإقبال وقلة الواردات، بحسب عبدالله.

ومن نحو 45 صالة سينما معروفة في عمان، لم يبق اليوم سوى 5 صالات تعمل في أوضاع اقتصادية صعبة.

وتعرض معظم هذه الصالات أفلام عنف وإثارة آسيوية أو مصرية قديمة في العاصمة التي يتجاوز عدد سكانها 2.6 مليون نسمة.

ويشاطر علي راغب (53 عاما)، الذي يعمل مشغل أفلام في سينما "فلسطين" بشارع بسمان وسط عمان منذ 29 عاما زميله عبدالله الرأي، ويؤكد ان "كل شيء اختلف في الوقت الحاضر".

ويضيف وهو يهمّ بتشغيل فيلم "ذي بيغ بوس" لبروس لي الذي انتج في سبعينيات القرن الماضي "كنا نفتخر بأننا نعمل في هذا المجال، الناس كانت تحترمنا، اما اليوم فلم نعد نحظى بذلك الاحترام والتقدير".

ويستذكر راغب الذي ما تزال جدران صالته تمتلئ بملصقات الأفلام التي كانت تعرضها وغالبيتها هندية وأميركية "أيام زمان كان الناس يقفون في طابور طويل على أمل الحصول على تذكرة دخول واحدة، حين كانت السينمات في أوج عطائها تعرض أفلاما جميلة وممتعة حتى ساعة متأخرة من الليل".

وتابع وهو جالس في غرفته؛ حيث تكدست عشرات الأفلام التي غطاها الغبار "كانت المقاعد ودرجات وأسعار التذاكر تختلف من درجة إلى أخرى، أما اليوم فقد تغيرت الحال ولم يعد يأتينا سوى 25 الى 30 شخصا في صالة تتسع لأكثر من 500 شخص، أما الدخل فحدّث ولا حرج".

من جانبه، يقول محمد، وهو مهندس في الخمسينيات من العمر كان ينظر بحسرة الى ملصق إعلاني قديم لفيلم هندي أنتج في ثمانينيات القرن الماضي، وعلق على باب السينما "كم كان بودي أن أحضر أحد هذه الأفلام اليوم".

ويتابع "أتذكر في الثمانينيات كيف كنت أقف في طابور طويل كي أقطع التذاكر في هذه السينما لأشاهد هذا الفيلم ذاته".

وخلص إلى أن "الحياة تعقدت وأصبح همّ المواطن الوحيد البحث عن مصدر لرزقه والسينما أصبحت شيئا من الماضي".

ويقول مواطن آخر "لقد كنت أتجول بين دور السينما بحثا عن أفلام جديدة، أما اليوم فلا أجد متسعا من الوقت كي أشاهد فيلما على شاشة التلفاز في منزلي"، قبل أن يتابع "الحياة تغيرت وتغير كل شيء معها".

وأوضح انه يتذكر أنه ارتاد صالة السينما مع رفاقه لآخر مرة منذ أكثر من عشرين عاما.

وبحسب الناقد السينمائي الاردني عدنان مدانات، فإن "سبب ما آلت إليه أوضاع صالات السينما تلك هم الموزعون الذين لم يواكبوا تطورات الزمن وظلوا بنفس العقلية القديمة معتمدين ومراهنين على جمهور درجة ثالثة يبحث عن أفلام درجة ثالثة من مغامرات وإثارة وعري وما شابه".

وأضاف أن "هذا الجمهور صار عنده بدائل أسهل وأرخص في أجهزة الـ "في اتش اس" مرورا بـ "سي دي" انتقالا إلى "دي في دي" وما كان يبحث عنه في السينما صار بإمكانه الحصول عليه بسعر أرخص في حين لم يجد أصحاب السينمات بدائل أخرى ظلوا في جمود حتى تجاوزهم الزمن".

وأوضح أن صالات السينما بقيت على قدمها "واستهلكت على مر الأعوام"، وصارت تكلفة صيانتها مرتفعة اليوم.

في مقابل ذلك، ظهرت في الآونة الاخيرة دور سينما داخل المراكز التجارية الضخمة في محاولة لجذب الجمهور الذي تستقطب الأفلام الحديثة عنصر الشباب منه على وجه الخصوص.

ويؤكد مدانات أن هذه الصالات التي لا تعتمد المفروشات الفخمة "وتضم من 100 الى 150 مقعدا نجحت في استقطاب الشباب المقتدرين ماديا وباتت تمثل نمطا جديدا أصبح شائعا في العالم".

 

 

التعليق