العامري: نهر الأردن بهجة أعشاب مقدسة وطمي طري كالحناء

تم نشره في الأربعاء 17 حزيران / يونيو 2009. 09:00 صباحاً
  • العامري: نهر الأردن بهجة أعشاب مقدسة وطمي طري كالحناء

فنان وشاعر أردني يرى أن لوحاته تستحضر المندلينا والليمون والبدائية المثيرة

 

زياد العناني

عمان- يسجل للفنان التشكيلي محمد العامري انتباهه وانتصاره لتاريخ وجماليات المكان في الأغوار الشمالية مسقط رأسه لما لهذا المشروع من علاقة عضوية بالأمكنة القديمة التي اندثرت وفقدت شرعيتها من خلال هجوم الإسمنت عليها.

العامري الذي قال للنسيان لا، لم يكتف باستظهار هذا المشروع واستحضاره من منطقة النسيان بل نهد إلى إعادة الاعتبار لنهر الأردن في الكتابة واللوحة, مرتكزا على الذاكرة الأولى لأشكال البيوت والأشجار وتلوينات القرية الأولى، ووجد نفسه أمام دفتر كبير من الذكريات عن ذلك النهر الذي اغتسل به، واغتسل من قبله بكثير السيد المسيح عليه السلام، فكانت رحلته مع ذكريات جملة من اللوحات التي اعتمدت في عناصرها على الشجرة، والبيت الطيني وانعكاسات المياه مبتعدا بشكل قصدي عن النقل الفوتوغرافي ولائذا بالذاكرة الطازجة في المشهديات والألوان حتى يتاح لي تحوير المكان وإدراجه في ذاكرة جديدة من دون أن يفقد صفاته الأولى.

يذكر أن العامري ولد في بلدة المشارع في العام 1959، ودرس حتى الثانوية العامة في مدارس المشارع مسقط رأسه، ثم واصل تعليمه الجامعي وتخرج في الجامعة الأردنية من خلال برنامج التأهيل التربوي/كلية تأهيل المعلمين. عمل مدرساً في مدارس التربية والتعليم ثم استقر به المقام في وزارة الثقافة. أقام عدة معارض فنية تشكيلية كان من بينها معرضه الشهري الذي أقامه في نفس الجامعة الأردنية.

كما يذكر أن له كتابات في الشعر والنقد التشكيلي. ومن مؤلفاته: معراج الفلق-الأردن-عمان، 1990. خسارات الكائن-دار أزمنة-عمان، 1994 الذاكرة المسننة-بيت الرئيس، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، عمان-بيروت، 1999. المغني الجوّال-تقديم وإعداد، المؤسسة العربية للدراسات والنشر-عمان-بيروت، 2001. الشاهد والتجربة-منشورات أمانة عمان-مان، 2001. فن الغرافيك في الأردن.

*النهر وجواره – في اقتفاء البصر والبصيرة مشروعك للتفرغ الإبداعي هل لك أن تحدثنا عنه وكيف تشكل جماليا؟

- كنت هناك حين حملني أبي على كتفيه باتجاه نهر الأردن حيث الدفلى وشجر الطرفاء والكينا، حملتني البهجة حيث بيارات جدي ورائحة الليمون التي تتجاور ورائحة النهر التي تفوح حين يشتد الصهد وتنطلق الفراشات واليعاسيب في أفق أخضر في متناول اليد، وكان أول لقاء لي مع البدائية المثيرة للأرض التي تتفجر فرحا حين يفيض النهر في موسمه الاعتيادي ، الموسم الشتائي المنتظر ليلقي النهر بأحلامه على اليابسة، وكانت أرض البيارات، ننتظر فيه الفضة وهي تتحرك على اليابسة، وقد كنت في تلك اللحظة أراه هادرا وغاضبا كونه انحبس طول العام، ثم يفيض كما لو أنه يريد أن يلبس اليابسة، ويعانق أشجار المندلينا والليمون حتى يغمرها للرقبة، بل يتجاوز ذلك حتى يصل إلى الأغصان العالية كما لو أنه غسول وطهرة موسمية للشجرة، يغسل أشجاره بعفة الماء لمدة ثلاثة أيام ويعود خجولا من زواج كان للتو طازجا بالطمي والأسماك، يعود بانكسار هاربا نحو مجراه وحصاه اللامع تاركا خلفه أسماكا من الكرب والمشط والبلابيط، تتحرك تلك الأسماك كفضة تهدر في قدر أخضر محركة شهية القرى المجاورة، حيث يهرع أهل القرية بالأكياس والعصي مشيا إلى النهر وما تركه من بهجات على الأرض، ويبدأ حصاد السمك الذي فقد النهر فجأة ينظر بعين مدورة ولامعة الى الناس مستسلما لأكياسهم ليعودوا محملين بأسماك وتفاصيل حكايات سحرية، يعودون وقد علقت بأقدامهم أعشاب مقدسة وطمي طري كما لو أنه الحناء.

*هل اعتمدت على ذكراتك في رسم لوحاتك أم أنك داخلت بينها وبين الطبيعة؟

- لقد اعتمدت على الذاكرة وكذلك، الطبيعة المجنونة التي تتشبث بعشاقها الغوريين الذين آثروا البقاء هناك، رغم فقرهم واقتراب قرص الشمس من قاماتهم فأصبحوا يشبهون الشمس بسُمرتهم الجميلة فرحين بنهر حملهم صغارا وأطعمهم من جوع وآمنهم من خوف، طقس لا يشبه إلا الغور الحنون ببرتقاله وأشجاره العامرة بالأغصان والعصافير الشغوفة بالغناء.

*في لوحاتك مشهدية تقول إن الغابة تثمر طيورا !! إلى أي مدى استثمرت حواسك في هذا العمل الفني؟

- المشهد السحري الذي يراه المزارعون هناك هو ما تحمله الأشجار البرية الصاعدة على كتف النهر، أشجار الطرفاء والكينا والحور والعليق تلك الأشجار التي تحمل ثمارا حية حين تسقط الشمس في حضن جبال فلسطين، حيث تستقر طيور البط على الأغصان ككرات سوداء راكدة تترنح مع ميلان الغصن، كما لو أن تلك الاغصان أراجيح صنعتها الطبيعة للطيور التي اعتادت على مراقبة اندلالق الأحمر القاني خلف الجبال الغربية الجبال المحاذية لطبريا وبيسان ومرج بن عامر، في تلك اللحظات ترتفع أصوات الحشرات بايقاعات ليلية مرددة سمفونية عشبية مجللة بالرطوبة وطراوة الهواء الخفيف، هواء يرفع منسوب رائحة العشب الطري المحمّل برائحة البرتقال والليمون والنباتات العطرية، أعشاب الخرفيش والقريص والسنيريا والبابونج والدريهمة والبسباس والحميضه والخبيزة والخردلة والجربوع (الهيليون) والبابونج والحمصيص والقصيقصة.

كل تلك الروائح نشمها بلذة غرائبية حين نكون في حراسة البيارات ليلا من الخنازير حيث يكون النهر نائما بجلاله المقدس كما لو أنه الماء المستلقي على وسائد العشب، إنه ليل لا يشبه أبدا سوى ليل الأغوار الليل الذي شهد في الستينيات خطى الفدائيين إلى فلسطين، عندما كانت الثورة الفلسطينية لا تعرف سوى طهارة الأرض وضرورات التحرير البريئة. كان النهر حارسهم وكذلك حارسا لطيوره وأشجاره وأعشابه ومجراه، لم تكن تلك المنطقة الملاصقة لفلسطين سوى موسيقى نسمع فيها الأغاني والميجنا والهجيني في محاولة من أبي لكسر ظلمة الليل ووحشته وكذلك لطرد الخنازير البرية لأن الخنازير لا تحب الغناء.

*كيف احتفظت بهذه العلاقة الحميمة مع الأشجار؟

- لم أنس تلك الأشجار التي لم تزل واقفة تنظر في مرآة النهر وتشهد على صفصافه وصفائه وتعكره، إنها الطبيعة البكر المتصالحة مع موجوداتها.

في كل مرة أعود إلى هناك إلى بيارات جدي أبو فارع وأبو علي وأبو حمد وأبو عمر لأسترجع تلك الذكريات بعين غير بريئة عين المثقف والفنان التي نضجت فيه الأشياء، كنت أتمنى أن أعود إلى ذلك الطفل لتأخذني الدهشة البريئة إلى هناك، ورغم ذلك ما زلت أندهش من عفوية هذا النهر ودفئه وحميمية علاقتي به، كما لو أنه يعيد لي كل ما افتقدته في عمان.

يعيد لذاكرتي الاغتسال به وتفحص الحوامات فيه التي أكلت الكثير من أصدقائي والألوان الحقيقية والسماء الواسعة والأفق الرحب المليء بالسحب الملونة والأرض التي تلوح كباليتة رسام انطباعي من كثرة الأزهار، من هناك تناولت ألواني وألقيت بها على الورق لتدخل البيوتات الطينية القديمة وانعكاسات الأشجار بمرآة النهر، النهر الذي شرب كل الأشياء، وأعاد لها الحياة من جديد كأن نهر الاردن في تلك المنطقة شريان من الطراوة والخضرة الدائمة، فلم يزل يحاول ويحاول أن لا يفقد معناه رغم الاعتداءات المتكررة عليه.

*ثمة مشهديات تدور حول جرح الماء ماذا تقصد بجرح الماء؟

-كيف يصبح النهر جريحا؟ وكيف يمرض؟ وكيف يموت ؟ النهر يمرض حين يغادره السابحون وترحل عنه كائناته التي تعود عليها فهي التي تعطيه مبررات لوجود مجراه، فالنهر يموت إذا جفت ينابيعه التي تغذي شرايينه بالحياة، وكذلك الطمي يتشقق من شدة العطش، لقد مرض النهر من شوائب جاءت من الجهة الأخرى، من الاحتلال الاسرائيلي، نفايات لا تنسجم مع طهارة النهر الذي تعمّد فيه المسيح ففقد أسماكه وتفاصيل كثيرة في مجراه، كأنّ جرح النهر يسيل مع جريانه المريض فلم يعد يفيض بأسماكه ففيضاناته الأخيرة كانت لا تحمل سوى النباتات اليابسة التي تنام على ظهره سابحة من مكان لآخر ومستسلمة لموسيقاه، قش مات على ظهر النهر وآثر المدفن المائي كي لا يفارق رائحة الرطوبة وطراوة المشي فماتت الخطا باتجاهه فلم تعبق القرية برائحة الاسماك كما كانت منذ الثمانينيات من القرن الفائت، واكتفى الغوريون بالنظر إليه بنظرات العتاب، نظرات مليئة بالدمع والوقوف على أطلال الماء والذكريات ، لكن الناس هناك في قريتي لم يخونوا النهر ظلوا يتبادلون الزيارة ويتفقدونه ويلامسون ماءه ويأخذون من القصيب الذي يتهادى على أطرافه لسقوف البيوت وصناعة الناي الذي يشبه بخطوطه عقدة الأصابع، نايات هذا النهر محشوة بالغناء والتراتيل التي خزنها القصيب منذ مئات السنين.

*هل لك أن تروي كيف تعرّفت على الألوان وهل للنهر يد في هذه المعرفة ؟

 _ خمسة ثقوب تتنفس عشاقها وتنوء بصوت عذوب في الهزيع الأخير، كما عصا سحرية تتحدر دلالا من يد النهر، كان القصب المشبع بالإيقاع يتسامق ليصل إلى كتف الهضبة ضاربا جذوره في طمي النهر المجنون، القصب الذي يؤثث الظلال على كتف النهر ويرسم الألوان التي غمرتني بالبهجة والطيران، من هناك تعرفت على اللون وتدرجاته كما لو أن وحي السماء يبث رسائله لي ويصب في ذاكرتي شلال اللون الصافي الذي ما زال يشكل الينبوع الحقيقي لأعمالي الفنية.

كان الأزرق يسيل بنعومة من الأفق إلى جانب الحليبي والبنفسجي، كانت سمائي القروية أشبه بباليتة ألوان سحرية، باليتة متغيرة ومتحولة بمزاج الريح واختلاط البارد والحار، من تلك المشاهد رضعت حقيقة اللون وتجلياته التوالدية.

كانت الأسئلة الأولى هناك حيث رائحة الطين وصياح الديكة ومطاردة الأرانب الملونة والعصافير، كل شيء هناك يلفت فيك الساكن ويحركك باتجاهات العمل والاشتغال على خيالات تتحقق في السرد وتهرب منك في الواقع لأعود لاصطيادها في الصورة والحلم، وحدي اتجول في الحلم واعيش الرسم في سديم مليء بالغموض متحورا بين لحظة الفعل وماضي الصورة فأخون الواقع وأحوره إلى مناخات جديدة لها صلة بالواقع لكنها بعيدة عنه.

لم أترك قط ملامس تلك البيوتات وتفاصيل نوافذها الخشبية والخرز المعلق على الأبواب ورسومات الحناء على الأيدي وأكاليل الريحان والإيقاعات الاحتفالية في الأعراس وصور المجاميع البشرية التي تذهب باكرا إلى الحقول.

مشاهد تشربتني وأيقظت فيّ الشاعر والرسام، أيقظت في دواخلي الحلم وخيالات ما زالت صورها في الذاكرة كما لو أنها مرآتي اليومية التي أتمارى بها في الصباح. مرآتي السحرية المثقلة بالصور والحكايات، الممتلئة بالهيئات.

* مرآة العشق لكل ما يحدث في الداخل والخارج. هل واجهت مشاكل خلال عام التفرغ الابداعي؟

مشروع التفرغ الإبداعي من أهم المشاريع التي تبنتها وزارة الثقافة من باب استدراج النص الابداعي العالمي، وهو مشروع ما يزال في بداياته وينبغي على المثقفين الانتصار له من خلال توحيد قانون التفرغ وبث اقتراحات لتعديل بعض بنوده، فمثلا هناك اشكالية في تفرغ الفنان التشكيلي والفنان المسرحي فطبيعة الابداع التشكيلي والمسرحي طبيعة مختلفة عن حيثيات كتابة النص السردي أو الشعري فالعمل المسرحي عمل جمالي وتكاليفه أكثر بكثير من تكاليف إبداع آخر وكذلك الفن التشكيلي فيجب إيجاد صيغة للتعامل مع كل قسم من هذه الاقسام حسب خصوصية كل قسم وذلك لأن مجموعة اللوحات التي ينتجها الفنان أكبر بكثير من قيمة التفرغ نفسه، فاللوحة هي نسخة واحدة لا تتكرر بينما الرواية يمكن طباعة آلاف النسخ منها وهنا لا بد من القول إن لكل ابداع خصوصيات يجب مراعاتها في نظام التفرغ.

التعليق