"عاريا أمام الحقيقة" لجورج الفار: حوارية فلسفية تمثل رحلة من البحث العقلي عن أجوبة الحياة

تم نشره في الأحد 14 حزيران / يونيو 2009. 10:00 صباحاً
  • "عاريا أمام الحقيقة" لجورج الفار: حوارية فلسفية تمثل رحلة من البحث العقلي عن أجوبة الحياة

 

نزيه أبو نضال*

 حين انتهيت من قراءة كتاب "عاريا أمام الحقيقة" للدكتور جورج الفار (دار الطليعة، بيروت، 2009) وفكرت بالكتابة عنه، لا أدري لماذا استهواني هذا العنوان: "تمرد الفار", ربما بسبب سلسلة من الالتباسات المركبة التي يثيرها عن كائن صغير (فار) في مواجهة جبروت الكنيسة الهائل والتاريخي الذي يمتد على مساحة ألفي عام وألفي بليون من البشر، أو لعله الفار (الهارب) بعقله من جبروت الغيبيات المكبلة للوعي وللإرادة معاً كي يمارس حقه في أن يفكر حراً ويعيش حراً خارج أسوار الممنوعات وخارج أسوار دير اللاتين بمادبا الذي حاول الفار هدمه كي تنفتح الكنيسة على الناس من مختلف الطوائف والأعراق والمنابت والأصول.

 ولكن السور لم ينهدم! فماذا تفعل أنياب الفار الصغيرة بالصخور العملاقة! إلا أنها تركت بعض الخدوش كما تركت ثقوبا أعمق في وعي الذين واكبوا تجربة هذا الكاهن المتمرد.. وهذه الخدوش ربما تشكلت على هيئة أرابسك عربي أسهمت مع خدوش الكثيرين قبله، حسب وصف الدكتور جورج الفار بأن: "أكسبت العروبة المسيحية نكهة خاصة، فيها شيء من رائحة قهوة اليمن وبلح الجزيرة وياسمين بلاد الشام، فغدت المسيحية العربية ذات نكهة تميزها عن المسيحية الأوروبية ومع أنها تشترك في الإيمان مع المسيحية الغربية إلا أنها تختلف معها في معنى الرسالة ومذاقها".

ويقول ابن مادبا عن تجربته الفلسطينية: "كنا كثيرا ما نقف على الحواجز اليهودية ونتعرض لمضايقة الجنود الذين حاولوا دوما إهانة السكان الفلسطينيين، كان كياني يهتز بشدة من هذه الغطرسة والإذلال. لذا لم أتمنّ يوماً العودة إلى هناك بعد إنهاء دراستي، لأنني لا أطيق احتلالاً يجثم على صدري، الأمر الذي قد يجعلني أخلع (ثوبي الأسود) لالتحق بالمناضلين من أجل تحرير بلادهم".

ولكن لماذا أستخدم في توصيف تجربة الأب الفار تعبير متمرد وليس تعبير ثائر؟

التمرد في علم الاجتماع هو محاولة فردية لتغيير الواقع الفكري أو الاجتماعي، غير أن هذه المحاولة، وبسبب فرديتها، محكوم عليها بالفشل، ذلك أن تغيير الواقع يحتاج إلى ثورة اجتماعية أو إلى تراكمات تتم على مدى تاريخي، أمّا التمرد بالمعنى الفلسفي فهو فعل التحدي الذي يمارسه الفرد ضد قوى عاتية لا يستطيع إلحاق الهزيمة بها، وهذا ما فعله الأب الفار لمدة 26 عاما وهو يواصل الصراع، رغم تكرار الفشل، لأن لا خيار أمام الإنسان سوى التمرد في مواجهة اللعنة أو في مجابهة غضبة الآلهة، إنّه قدر الإنسان ومصيره، هذا ما فعله أوديب (اللعنة) وسيزيف(الصخرة) وبرومثيوس (الشعلة) وباندورا (التحدي) في الاسطورة اليونانية، (1) وهذا ما فعله أنكيدو وجلجامش في الأسطورة السومرية وعاد وشداد في الأسطورة العربية التي صاغها غسان كنفاني: (أنا أقاتل وأموت إذن أنا حي وموجود).

ولاحظ المفكر المصري فاروق القاضي في كتابه المتمرد "تلازم الازدهار الحضاري والتقدم مع التمرد" بل حاول أن يفسر التطور باعتباره محصلات تمرد وتجارب متمردين في ميادين الحياة المختلفة.

إن تاريخ الكون منذ ظهور الأسطورة وحتى الجيل الرابع من الكومبيوتر، أي منذ العصر الحجري وحتى العصر الإلكتروني لم يكن، حسب القاضي إلا "سلسلة من تمرد الآلهة على الآلهة، والأبناء على الآباء" والمظلومين على الظالمين والفقراء على الأغنياء والصغار على الكبار والمسودين على السادة. وفي حالتنا تمرد الفئران الضعيفة على القطط السمان.

وتذهب الفلسفة الوجودية كما في "الإنسان المتمرد" لألبير كامو إلى أن مصير الإنسان إنما يتحدد من خلال التزامه بالمسؤولية فهنا بالضبط تتحقق حرية الإنسان، وهنا يكمن الفارق النوعي بين فلسفة العبث التي تؤدي إلى اللاجدوى وبين التمرد المشروع والقابل للتحقق في زمن يأتي، عندما تكتمل شروطه، رغم تكرار الفشل الآن.. سيزيف كان يؤمن بأنه سيصل مع صخوره إلى قمة الأولمب، ولهذا فهو يواصل المحاولة، ضد كل الأشكال المركبة والمرعبة من الضغط والاضطهاد عبر آلاف السنوات ولكنه الإنسان الحي الفرد يواصل تمرده ضد القامع، وضد منظومة القيم والتشريعات والقوانين التي صاغها الماضون لاقتلاع أنيابه وقلع مخالبه كي يتأبد استلابه وتتم الهيمنة عليه ويكتمل الإطباق على روحه وإرادته، فكان أن غادر الأب الفار مواقعه القتالية داخل موقعه الكنسي، ولكن كي يواصل المعركة في مواقع قتالية أخرى على امتداد الحياة زمناً ومكاناً ولعل اتساع قائمة التضامن مع قضية الفار ضد قرارات تحريم الكبار إشارة واضحة على اتساع دائرة النار.

حين عرفت (الأب) جورج الفار أوائل التسعينيات في مادبا فوجئت بكاهن متمرد يتمتع بحرية عقلية وبجرأة غير مسبوقة في ساحتنا العربية، وخاصة في معقل التابو الديني.. بما يذكرك على الفور بالكهنة الثوار والمتمردين في أميركا اللاتينية الذين حملوا السلاح لمقاومة الظلم والنهب والاحتلال، ولم يرتضوا بمجرد الصلاة لاستدعاء العون الإلهي! وكان الأب الفار متمرداً، بالفعل وبالفكر معاً، مما أثار حوله عاصفة من الانتقادات من السلك الكهنوتي والسلك الاجتماعي المحافظ.

ورغم تعاطف قلة من الناس وأقل من الكهنة، إلا أنه وجد نفسه في نهاية المطاف معزولا ووحيدا ومرتابا بكل شيء فكان أن استقال من ذلك العالم وراح يبحث عن عالم جديد يقوده العقل وروح البحث المتجددة عن أسئلة الحياة الحقيقية الكبرى إلى آخر الزمان!

كتاب "عاريا أمام الحقيقة" هو حوارية فلسفية طويلة للإجابة عن مائة من هذه الأسئلة وجهها إليه صديقه الراحل العلماني منذر قرّاعين، وحيث السؤال هو بأهمية الجواب وأحيانا يفيض.. ذلك أن تلك الأسئلة ظلت تحفر عميقا في طبقات الوعي المستكين للمسلمات أو تحاور استنتاجات تبدو نهائية وهي ليست كذلك.. مما يثير عواصف متجددة من الشك والبحث بعيدا عن أي يقين مؤقت أو زائف، ولم تكن الإجابات في المقابل تسعى كي (تختم العلم) بل لتستقطر التجربة الحية وتستنفد خلاصاتها المؤقتة بالطبع، وتحاور المعرفة وتوظف براهينها ومعطياتها باتجاه ما يرتضيه المنطق العقلي المادي لا العرفان الصوفي أو المثالي.

هذه الحوارية الفلسفية تأخذك في رحلة ممتعة من البحث العقلي الحار عن أجوبة الحياة، ولكنها لا تقودك نحو إجابات نهائية حاسمة ذلك أن رحلة الصعود نحو القمة هي وحدها الممكنة، ولعلها أجمل من الوصول إلى القمة نفسها.. وهذا هو الدرس الأول في الفلسفة.. فكل حقيقة تفضي إلى حقيقة أعلى وأبعد وأعمق..

هذه الحوارية تضيء، عبر تجربة صاحبها، الطريق المؤدي إلى المعرفة، ولكنها المعرفة المرتبطة بالحياة والمنشغلة بتغييرها كي تكون أكثر عدلا وأكثر جمالاً.

ناقد اردني

nazihabunidal@hotmail.com

التعليق