تزايد استعمال البكتيريا المفيدة كمضافات غذائية

تم نشره في الأحد 17 أيار / مايو 2009. 10:00 صباحاً
  • تزايد استعمال البكتيريا المفيدة كمضافات غذائية

 

عمان - تستوطن أمعاء الإنسان الذي يتمتع بصحة جيدة طوال حياته ما يقارب 500 نوع من البكتيريا، بالإضافة الى عدة أنواع من الفيروسات والفطريات والطفيليات بأعداد قليلة جدا، وعادة تمثل البكتيريا غير الهوائية التي تنمو من دون الحاجة الى أكسجين الغالبية العظمى منها، ولا يقل وزن البكتيريا الصافي في أمعاء الشخص البالغ عن كيلوغرام واحد، كما يصل مجمل عدد الخلايا البكتيرية الى آلاف البلايين.

مضادات الأكسدة

وتمثل بكتيريا الأمعاء دورا مهما في عملية الهضم والاستفادة من محتويات الطعام وتخليص الجسم من جزء مهم من شوارد العناصر الكيميائية الضارة، التي تنتج أثناء عملية هضم الطعام وخلال تناول بعض الأدوية.

وهناك أبحاث علمية تشير بأن تكاثر هذه الشوارد في الأمعاء يسبب سرطان القولون وأمراضا أخرى. فبكتيريا الأمعاء تنتج مضادات الأكسدة ومجموعة من الأحماض العضوية التي تحافظ على البيئة الفسيولوجية المناسبة في الأمعاء، وبذلك تنظم عملية إخراج الفضلات بشكل منتظم من الجسم. كما أن بعض أنواعها، وعلى سبيل المثال بكتيريا القولون، تنتج فيتامين "ك" وجزء من فيتامين "ب 12"، بالإضافة الى مادة تشبه المضادات الحيوية تقتل فيها بعض أنواع البكتيريا المعدية للجسم. وهناك أنواع من بكتيريا الأمعاء لها أهمية خاصة في امتصاص الفيتامينات وتحفيز مناعة الجسم وحمايته من بعض الالتهابات الضارة.

تلوث الطعام والمشروبات

حدثت خلال الأعوام الخمسين الأخيرة تغيرات كبيرة بعادات الإنسان في أكله وشربه، فغالبية أصناف الخضار والفواكه تتم زراعتها حاليا باستعمال كثير من الأسمدة والمبيدات الحشرية، كما تحتوي معظم اللحوم الحمراء والبيضاء بما فيها الأسماك التي يستهلكها الإنسان على بقايا مواد وعناصر كيميائية، لأنه يكثر من استعمال المضادات الحيوية والهرمونات في تربية الحيوانات والطيور، فضلا عن تلوث أسماك البحار بعناصر الزئبق والكاديوم. وخلال نصف القرن الأخير زاد استهلاك الأطعمة الجاهزة من معلبات وأطعمة مجمدة ومثلجة في معظم البلدان، وقسم كبير من هذه الأغذية يتم حفظها بإضافة مواد كيميائية. كما انتشرت عادة تناول وجبات الطعام السريعة، وتضاف إلى ذلك أيضا الزيادة الهائلة بتناول المشروبات الغازية بجميع أنواعها.

وبالتأكيد أدت إضافة المواد الكيميائية لحفظ الطعام وتصنيع المشروبات ومياه الشرب الى منع انتشار أوبئة الأمراض المعدية مثل؛ التيفوئيد والكوليرا ومسببات التسمم الغذائي الميكروبي والإسهالات التي كانت تمرض وتحصد حياة ملايين البشر في العالم في الماضي القريب، كما أنها سهلت حفظ ونقل وبيع الأطعمة المصنعة عبر القارات.

تراكم المواد الكيميائية

تنص جميع قوانين ومواصفات سلامة الغذاء والمشروبات المعتمدة عالميا على ضرورة أن تكون جميع الإضافات الكيميائية للمواد الغذائية غير ضارة لصحة الإنسان، والحرص على أن تكون آمنة بالمقدار الذي تستعمل فيه. ولكن عمليا وحسب نوعية ونمط تناول الطعام عند كل شخص قد تتراكم بعض هذه الإضافات في أمعاء وجسم الإنسان، وتؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على تغيير نوعية وتكاثر بكتيريا الأمعاء المفيدة للجسم. وهذه العملية البيولوجية تتم ببطء وقد تطول لعشرات الأعوام قبل أن تظهر نتائجها بشكل أمراض القولون العصبي أو سرطان القولون وغيرها من الأمراض، وهذا ما تؤكده كثير من الدراسات الحديثة.

ومن المعروف طبيا بأن الشخص الذي يتناول بالذات بعض أنواع من أدوية المضادات الحيوية أو أدوية علاج أمراض السرطان يبدأ يشكو من اضطرابات في الجهاز الهضمي، وبخاصة الإسهالات بعد عدة ايام أو اسابيع. وهذه الأعراض السريرية سببها الحقيقي أن قسما مهما من بكتيريا الأمعاء المفيدة والضرورية للحفاظ على سلامته الجسم تكون قد تأثرت وتلاشت، ومقابل ذلك تزيد وتتكاثر أنواع البكتيريا الهوائية غير المفيدة وفطريات الخميرة من نوع الكنديدا Candida التي تؤدي الى تخمر بقايا الطعام وظهور غازات في الأمعاء.

أهمية بكتيريا الأمعاء

إن التوازن البيولوجي الدقيق بين مختلف أنواع البكتيريا التي تستوطن الأمعاء ضروري لتخليص الأمعاء والجسم من فضلات هضم الطعام وامتصاص العناصر والفيتامينات منه.

وتعتمد صحة الجسم أيضا على عملية إخراج فضلات الطعام كبراز بصورة منتظمة يوميا، وفي حالة أي تغير في عملية إخراج الفضلات أو حدوث إمساك تجعل الشخص يشعر بعدم الراحة والتعب وضعف النشاط. ومن هنا اكتشف البشر منذ قديم الزمان أن هناك أنواعا من الأغذية مثل؛ اللبن ومنتجات الخضار المتخمرة تحافظ على حيوية عمل الأمعاء بصورة طبيعية، ويعود السبب لكون هذه الأغذية تحتوي على أنواع من البكتيريا المنتجة للأحماض العضوية المفيدة للجسم مثل؛ "لاكتوباسيلس" و"البيفيدوبكتريوم" بأنواعها المختلفة، وهذه تنتج حامض اللبن والخل، وتساعد على تحطيم بقايا البروتينات والسكريات، وتقوم بإنتاج ما يشبه المضادات الحيوية التي تقضي على أنواع البكتيريا المعدية، بالإضافة إلى أنها تلتصق بالغشاء المخاطي للأمعاء وتحسن من مناعة الجسم.

ومما يذكر أن العالم البيولوجي الروسي ميتشنكوف كان قد حصل على جائزة نوبل العام 1908 لأبحاثه القيمة حول المناعة، وهو صاحب نظرية أن بكتيريا لاكتوباسيلس في الأمعاء ضرورية لتخلص الجسم من السموم وتعمل على إطالة عمر الإنسان، ولكن هذه النظرية العلمية لم تجر متابعتها وإثباتها طبيا في ذلك الوقت لأسباب ما تزال غير معروفة.

وبعد هذه الأعوام عاد من جديد البحث والحديث عن أهمية استعمال بكتيريا الأمعاء المفيدة كمضافات في علاج بعض أمراض الأمعاء والإسهالات المزمنة وخصوصا أثناء تناول عدد من المضادات الحيوية، كما يجري استعمالها في علاج حالات التهابات المهبل المتكررة بفطر الكنديدا والتي لا تستجيب للعلاج بأدوية مضادات الفطريات الكيميائية.

وباختصار، أصبح استعمال مضافات البكتيريا المفيدة في الوقت الحاضر جزءا مهما من الطب البديل في علاج أمراض الجهاز الهضمي وتحسين صحة ومناعة المرضى.

وتشير كل الدراسات العلمية والطبية حاليا بأن البكتيريا المفيدة للجسم سيزيد استعمالها كمضافات غذائية في العالم، وستصبح جزءا مهما من منتجات الصناعات الدوائية في المستقبل القريب.

د.عاصم الشهابي

أستاذ الميكروبات الطبية -كلية الطب- بالجامعة الأردنية

التعليق