أكاديميان يستعرضان جماليات اللغة العربية ويعاينان قوتها في الترجمة

تم نشره في السبت 16 أيار / مايو 2009. 10:00 صباحاً

 

عمان - رسم أكاديميان لوحة سوريالية للغة العربية، وسعيا إلى استحضار نماذج عديدة اعتبرا أنها تؤكد بما لا يدع مجالا للشك حيوية العربية، وقدرتها على الانسجام مع مستجدات الحضارة ومواكبتها.

ودحضا في مجمع النقابات المهنية ما يروج حول الضعف البنيوي للعربية، لافتين الى تاريخ مديد من استئثار العربية بالمشهد الحضاري مدى قرون عديدة.

وتساءل الدكتور يوسف غوانمة والدكتور عبدالله الشناق في ندوة "واقع الترجمة في العالم العربي بين اليوم والأمس" عن أسباب تغريب العرب والنخب خصوصا للغة الأم، ما يتزامن مع جنوح نحو استخدام لغات أجنبية، خصوصا في المواد العلمية؟

غوانمة، وهو أستاذ للتاريخ والحضارة في جامعة اليرموك، آثر أن يقدم استعراضا شاملا لحركة الترجمة من اللغة العربية وإليها، مستعيدا تاريخ الترجمة العربية التي أكدت سيرورتها أن العرب آنذاك لم يقفوا موقفا سلبيا من الحضارات السابقة، "بل نهلوا منها ما هم بحاجة اليه أولا وبانتقائية تامة"، على ما أضاف غوانمة.

وتوقف غوانمة عند العصر الذهبي للترجمة العربية، خصوصا في عهد الخليفة العباسي المأمون ودار الحكمة التي طبقت شهرتها الآفاق حيث كانت موئلا لعدد كبير من المترجمين والنساخ الذين نقلوا مؤلفات علمية اتسعت مراوحتها للطب والهندسة والرياضيات والفلك والكيمياء وسواها من العلوم.

ولد عبدالله المأمون بن هارون الرشيد عام 170هـ وتوفي عام 218هـ، أما فترة خلافته فكانت بين 198 -218 للهجرة النبوية الشريفة.

جاء في كتاب قصة الحضارة أن المأمون أرسل إلى القسطنطينية وسواها من المدن الرومانية يطلب أن يمدوه بالكتب اليونانية، خصوصا كتب الطب والعلوم الرياضية، وعندما وصلت هذه الكتب إلى أيدى المسلمين قاموا بترجمتها وفحصها ودراستها، في "بيت الحكمة" في بغداد وهو مجمع علمي، ومكتبة عامة، ومرصد فلكي، وأقام فيه طائفة من المترجمين، وأجرى المأمون عليهم الأرزاق من بيت المال، فاستفاد المسلمون من هذه الكتب العلمية، ثم ألفوا وابتكروا في كافة العلوم.

وفي سيرة المأمون كذلك أنه سمح لأولئك الذين اعتمدوا على العقل والمنطق في كل شيء بالتعبير عن آرائهم، ومعتقداتهم، ونشر مبادئهم من غير أن يتقيدوا بقيد أو يقفوا عند حد.

طريقتان اتبعهما المترجمون العرب، هما كما أوضح غوانمة، لفظية تعتمد نقل كل مفردة، بيد أنها أنتجت ترجمات رديئة، لغياب مفردات عربية تقابلها، ما أفضى بدوره الى غياب ترابط الجمل في النص الذي فقد مضامينه، وثانية قال غوانمة إنها تعتمد نقل المعنى، مؤكدا أنها أفضل من سابقتها، إذ يتسنى للمترجم فهم معنى الجملة ما يمكنه من التعبير بعربية تطابقها نصاً وروحاً.

في تاريخها المديد لم تكن الترجمة "صنعة" الدولة منفردة، كما أضاف غوانمة الذي أوضح أن الأمراء والأعيان والأغنياء العرب انخرطوا في رعاية حركة الترجمة وإسنادها بالإنفاق المالي السخي الذي تنوع بين المخصصات المستقرة والهبات والمنح التي كانوا يقدمونها للمترجمين.

غوانمة حضّ على تعزيز الشعور الجمعي بالعربية، وهو ما يجب أن تتبناه المدرسة والأسرة التي تدرك أهمية تحفيز أبنائها على القراءة والمتابعة واقتناء الكتاب وجعل ذلك نهجا مؤسسيا راسخا. ولفت كذلك الى عظيم دور المثقفين والأكاديميين ووسائل الأعلام في تعزيز تعريب العلوم وترجمتها بأسلوب علمي وتدريسها في الجامعات، وهو ما نحته عديد من الدول والأمم التي كانت لغاتها ميتة أو صعبة التطويع.

من جهته، قال الشناق وهو أستاذ الترجمة ونائب عميد كلية الآداب بجامعة اليرموك، إن الترجمة هي سبيل الأمة للاطلاع على ثقافات الأمم الأخرى، وإثراء الفكر، والوسيلة الى معرفة ما يفكر به الآخر وإيصال صوت الأمة إليه.

وفي حين تولي دول متقدمة اهتماما خاصا بالترجمة بوصفها سبيل معرفة الآخر والإحاطة به ثقافيا، لاحظ الشناق أن الدول العربية ماتزال تعد الترجمة نشاطا ثانويا. وقال إن الترجمة في الوطن العربي تعتمد الى حد كبير على جهود فردية عشوائية بعيدة عن المأسسة، وهو ما يفضي الى ضعف يعتري بنية النصوص المترجمة بفعل مترجمين ليسوا مؤهلين.

وبعدما أضاف أن الترجمة عند العرب تعد تخصصا مهملا ومظلوما حتى في الجامعات، لم ينسَ غوانمة أن يشير الى افتقار المكتبة العربية الى الكتب المتخصصة بالترجمة، داعيا كل الغيورين في القطاعين العام والخاص الى إنشاء جمعيات ومؤسسات تعنى بشؤون الترجمة، وتوفير قاعدة بيانات شاملة لدعم الترجمة وتنظيمها والتوقف عن ترجمة الأعمال المترجمة.

الفجوة الحضارية الثقافية بين الشرق والغرب تزداد اتساعا، قال الشناق الذي رأى في الإسهام الغربي الغزير في إنتاج المعرفة منحى ولجه الغرب في تقدمه المتواصل المصدر للمعارف على اختلافها، فيما دول الشرق تراوح مكانها مستهلكة ومستقبلة لهذه النتاجات المعرفية. وأكد أن ما من سبيل أمام الأمم والدول المستقبلة للمعارف إلا دخول العصر والانسجام معه عبر خطط ونهج مؤسسي واستثمار تقنيات الحاسوب، وتطوير وسائل نقل المعرفة، والترجمة، خصوصا الترجمة الآلية.

وعرض الشناق دور جمعية المترجمين الأردنيين التي تأسست عام 1993 في نشر الوعي بأهمية الترجمة وتفعيل حركتها في الأردن، والارتقاء بها بضبط جودتها، ورفع كفاءة المترجمين وحماية حقوقهم.

أدار الندوة التي نظمتها لجنة تعريب العلوم في مجمع النقابات المهنية وحضرها حشد من المهتمين والمعنيين، عضو اللجنة الدكتور أسامة الطوالبة.

التعليق