شارعا الرشيد والمتنبي يعيدان شريان الثقافة إلى بغداد

تم نشره في الجمعة 15 أيار / مايو 2009. 10:00 صباحاً

بغداد- يحتشد العراقون من مختلف الطبقات الاجتماعية والأطياف في شارع المتنبي أحد أهم شوارع بغداد او ما يطلق عيله اسم سوق الكتب، ويختتمون جولتهم بشارع الرشيد المكمل له.

في "المتنبي" يجمعهم القاسم المشترك "هواية القراءة" مع اختلاف الاعمال والمهام التي يقومون بها، لكنهم جميعا تجدهم عاكفين على رفوف علقت عليها امهات الكتب او فرشت اخرى على الارض، حيث تزدهر الحركة بيعا وشراء هناك في أيام الجمع بعد الاستقرار الأمني الحالي، الذي منحهم فسحة بأن يعبروا عن هواياتهم مختتمين جولتهم بشارع الرشيد للتسوق وشراء الاحتياجات المنزلية والتراثية.

ويقع شارع المتنبي عند بداية شارع الرشيد أقدم شوارع مدينة بغداد وأحد ابرز معالمها وتقع على مقربته منطقة القشلة التي كانت تمثل مقر الحكومة العراقية في العهد الملكي حيث شهد هذا المقر تتويج عدد من الملوك الذين حكموا العراق بعد استقلاله عن الدولة العثمانية.

ويقول الكاتب والصحافي عمار (40 عاما) وهو يتصفح كتابا سياسيا "ان شارع المتنبي يعد لبعض المثقفين الملاذ، فهم عندما يحتاجون للمال تجدهم يلجأون إليه لبيع مخزوناتهم من الكتب، وحين يبحثون عن مكان للحوار يذهبون ايضا الى المقاهي المطلة على الشارع للحديث عن ماضي وحاضر البلاد ومستقبلها".

واعتبر عمار هذا الشارع فرصة للعيش والتعايش وتصارع الأفكار، فهو "مزدهر ومشع في أشد الأزمنة قتامة، وبعد أن تعرض للهجمات أخيرا عاد بطريقة جميلة وكأن "عودته تشكل عودة للثقافة وللحياة، فبعد تفجيره توقفت الحياة هناك واصاب محبيه الحزن الشديد على فقدان مئات الكتب واحتراق العديد من المكتبات.

وكان شارع المتنبي، الذي يقع على ضفة نهر دجلة، قد تحول الى كومة من الانقاض في اوائل آذار(مارس) من العام 2007 جراء هجوم انتحاري بسيارة ملغمة أوقع اكثر من 30 قتيلا وتسبب في اصابة نحو 65 اخرين واحرق كتبا يعتقد على نطاق واسع انها خسارة لاتعوض، حيث تدمرت عشرات المحال والمكاتب وحرق الاف الكتب التاريخية والثقافية والادبية والسياسية والدينية وآلاف المطبوعات والمخطوطات القديمة النادرة التي كانت تمثل ارشيفا غنيا لتاريخ العراق القديم والحديث.

ويستيعد عمار، خلال جلوسه في مقهى الشابندر وهو يمسك بكتابه الذي اشتراه، تلك اللحظات "الحزينة" عندما شاهد في شاشات التلفزة الحرائق والدخان والفوضى التي عمت المكان الذي اختلط فيه دم الناس مع حبر الكتب.

ويوضح بحسرة "انه شارع الكتب والمطابع ودور النشر العريقة والمقاهي التراثية والابنية القديمة فهو جزء من منطقة تحتشد فيها المعالم الحضارية والثقافية والتراثية بين مقهى الزهاوي وتمثال الشاعر معروف الرصافي وجامع الحيدرخانة والقصر العباسي والبرلمان القديم، والمتحف البغدادي، والجامعة المستنصرية التي بناها الخليفة المستنصر بالله قبل 900 سنة".

ويقارن تلك الصورة "الماساوية" مع اوضاع الشارع بعد حملة الاعمار التي قررتها الحكومة لازالة اثار الدمار وتضميد جراح المكتبات ورفع حزن المثقفين عن شارعهم الذي اعتادوا ان يتزودون منه بشتى المعارف "فهو يعيد للناس إنسانيتهم، ويعطي بعدا رومانسيا حين يعيد تشكيل مكتبات الرصيف التي شهدت تحولات كبيرة أيام حصار العراق، على حد وصفه.

وفي جانب آخر من الصورة، التي يواصل وصفها لمراسل "إفي" الصحفي جمال نوفل، قائلا "يوجد امل في عودة الحياة وهنا صورة واقعية هذه التي آراها وأنا أتجول، على العكس من تلك الصورة المظلمة والدخان والحرائق التي شاهدتها بعد ذلك الانفجارالهمجي الذي حاول اغتيال احد منابع ثقافتنا، فالحركة متواصلة، والكتب العربية والاجنبية معروضة للجميع، لكن الأسعار مرتفعة، هذه التركيبة أحد مظاهر السوق الحديثة".

ويتذكر بحسرة عميقة كيف قامت مجاميع من الناس بسرقة ونهب المتحف الوطني ودار المخطوطات والوثائق، وحرق أرشيف العراق الوطني وسجلاته المدنية بعد دخول قوات الاحتلال عام 2003 من دون ان تردعهم مثلما حافظت على مبنى وزارة النفط العراقية.

ومثلما استعاد شارع المتنبي والمقاهي المحيطة به عافيتهم واحتضنوا زوارهم وايام السمر التي اعتادوا عليها قررت الحكومة العراقية البدء بخطة اعادة اعمار شارع الرشيد، وفقا لبيان صدر من حكومة بغداد المحلية، "تم التعاقد مع الشركة العراقية والمكتب المعماري لإعداد الدراسات الخاصة باعادة إعمار وتطوير شارع الرشيد والمنطقة المحصورة بينه وبين نهر دجلة، وتقديم مقترحات لصيانة المباني التراثية والواجهات المعمارية".

وتأثيث الشارع بهدف الحفاظ على المعالم الحضرية والاجتماعية المميزة للمدينة، خاصة الدراسة المعدة لتطوير والحفاظ على تطوير منطقة الرصافة والكرخ وباب الشيخ والأحمدية والبتاوين والكاظمية، مبينا انه تم تخصيص سبعة ملايين وثلاثمائة ألف دولار، وبسقف زمني مدته 9 أشهر لهذا المشروع.

ويمتاز شارع الرشيد بمتاجر بيع الملابس منذ عشرات السنين، لكنها تحولت الى مخازن لبيع العدد والمستلزمات الصناعية والأدوات التي يحتاج إليها عمال البناء، ومحال تصليح السيارات وكاد ان يفقد هويته خصوصا اغلاق صالات السينما الشهيرة التي يعود تاريخها إلى أكثر من 70 عاما وأبرزها "الزوراء" و"الشعب" و"الرويال" والتي تحولت الى عنابر كبيرة ومخازن للمواد.

لكن الأبنية التراثية في شارع الرشيد تعكس التطور العمراني الذي شهدته بغداد مطلع القرن الماضي، ولم يبق من تلك المعالم سوى مساجد تمت صيانتها منها مساجد المرادية، والأزبك ومرجان والسيد سلطان علي، علما أنها شيدت خلال القرون الثلاثة الماضية.

ويعود تاريخ شارع الرشيد إلى العام 1917 في عهد الوالي العثماني خليل باشا، ويمتد من منطقة باب المعظم حيث المبنى القديم لوزارة الدفاع العراقية حتى ساحة التحرير وسط العاصمة بطول 9 كلم.

وتمتاز أبنيته التي تعود إلى عشرينيات القرن الماضي بطراز معماري يجمع الزخارف الأوروبية بالمحلية، ورواق مخصص للمشاة يحميهم من المطر وأشعة الشمس واعمدة ذات طراز جميل،الى جانب غالبية مبانيه المؤلفة من طابقين مع شرفات حديد مزخرفة تضفي على الشارع جمالية واضحة، وتعكس دقة الفن المعماري حيث النقوش والأقواس والزخارف وترفض تغيير هوية هذا المكان.

التعليق