حديدي يحمل على النثريين والنجار يقرأ آفاق المستقبل والحصني يجوب بيت الذاكرة الأولى

تم نشره في الاثنين 11 أيار / مايو 2009. 09:00 صباحاً
  • حديدي يحمل على النثريين والنجار يقرأ آفاق المستقبل والحصني يجوب بيت الذاكرة الأولى

ملتقى الشعر العربي يعقد جلسة مستديرة للشاعر الراحل محمود درويش

 

محمد جميل خضر

عمان - قصيدة النثر، ومستقبل الشعر العربي الحديث والمراحل التي مر بها، وتحولاته في عين النقد، ومواضيع أخرى وشهادة إبداعية، محاور تناولها ملتقى عمان للشعر العربي في يومه الأول أمس في مركز الحسين الثقافي.

وبعيد افتتاح مقتضب، تحدث فيه أمين عام وزارة الثقافة الشاعر جريس سماوي ومستشار أمين عمان الشاعر حيدر محمود والشاعر اللبناني محمد علي شمس الدين، انطلقت فعاليات الملتقى من خلال جلسة صباحية وأخرى (ظهرية).

وتضمنت الجلسة الأولى التي ترأسها الشاعر جريس سماوي ورقتين وشهادة إبداعية للشاعر السوري عبدالقادر الحصني حملت عنوان "أنا وقصائدي/ تجربة شاعر".

وتناولت الورقة الأولى للناقد السوري المقيم في باريس صبحي حديدي "الشعر وتحولات المرحلة"، فيما قرأت الورقة الثانية للناقد والأكاديمي الأردني د. مصلح النجار آفاق "مستقبل الشعر العربي الحديث".

وحمل صبحي حديدي في ورقته (الشجاعة)، على كتاب قصيدة النثر في إطارها العربي، من زاوية تخلصهم من إيقاع الشعر العربي وأعرافه وقيمه الجمالية، من دون أن يستطيع (معظمهم) تقديم بديل مقنع للمتلقي العربي، يعوضه ما يمكن أن تحققه له التفعيلة من استمتاع وتصالح مع موروثه السماعي والذائقي.

ولأن الشعر، أصبح، كما يرى حديدي، مجموعات تطبع لغايات البيع، وأمسيات تقام، بعضها مدفوع الأجر، ولأنه، بشكل من الأشكال، بدأ يأخذ بعداً استثمارياً واقتصادياً، فإن كتاب قصيدة النثر مطالبون أن يجدوا (وحدهم) خلاصهم، وينجحوا في تسويق بضاعتهم، في سوق معظم زبائنه من غير ميسوري الحال، وممن يدفعهم شظف العيش للهروب إلى الكتاب، والغوص في آفاق الشعر والقصائد.

وتسعى ورقة حديدي إلى تلمّس برهات محددة فاصلة، في سلسلة تحولات الشعر العربي خلال النصف الثاني من القرن العشرين؛ بوصفها حداثات متغايرة وليست أجزاء، أو مراحل، من حداثة واحدة. وبين جملة التحوّلات ذات التأثير الخاصّ، تتوقف الورقة عند ثلاثة منها: البرهة السيّابية التي تغطّي، كما يرى الباحث، أواخر خمسينيات القرن الماضي ومعظم ستينياته، حين تمّ التوصّل إلى ما يشبه "التسوية التاريخية" بين الوزن والنثر؛ أو بين "الشعر الحرّ" أو "قصيدة التفعيلة، و"الشعر المنثور" أو "قصيدة النثر". والمحاججة هنا هي أنّ السياب، رغم معارضته قصيدة النثر، كان حليفاً ضمنياً قوياً لها، خصوصاً في ضوء نجاحات نماذجها الماغوطية تحديداً، وبالتالي كانت قصيدته التجديدية في طليعة العوامل السوسيو - أدبية، التي تكتنف أية ثورة أدبية أو أية ولادات أسلوبية وتعبيرية كبرى.

المرحلة السبعينية - الثمانينية التي شهدت، بحسب حديدي، حال اصطراع خفي، نشط للغاية، وعلى درجة رفيعة من الاغتناء التعبيري والجدل التعايشي، دونما وئام كاذب، وبالكثير من التلاقح الموضوعي للأساليب والأشكال تارة، والتأقلم الذاتي النابع من حاجات الحياة الجمالية طوراً. وتلك مرحلة شملت أكثر من مشروع شعري، وفيها اتضحت طبيعة المراهنات على الذائقة العربية، وتواصلت "التسوية التاريخية" الستينية لتشمل الثمانينيات والتسعينيات والأزمنة الراهنة، ضمن مناخات توافق بين شعراء من أجيال مختلفة، وحساسيات أسلوبية متباينة، وأشكال متغايرة في كتابة القصيدة.

وأخيراً مرحلة تسعينيات القرن الماضي وعقد القرن الجديد، حيث تهيمن قصيدة النثر بصفة خاصّة، التي بلغت طوراً من الجمود يجعلها تبدو محافظة ساكنة، على نقيض مطامحها الحداثية والطليعية، لأسباب شتى منها أنّ عالم الإيصال والتلقي والأشكال يتغيّر بسرعة، وقصيدة النثر العربية المعاصرة لا تتغيّر إلا ببطء؛ وقد عجزت عن توطيد "علم اجتماع" للشكل الشعري بوصفه نثراً وليس وزناً منثوراً، يتوجه إلى قارئ حيّ سليل ذائقة إيقاعية عريقة، وليس قارئاً افتراضياً؛ وأنّ معظم النقد العربي المعاصر لا يتهرّب من مجابهة استحقاقات قصيدة النثر فحسب، بل يميل إلى تكريس ما يشبه "الأمّية النظرية" حولها.

 الناقد والأكاديمي الأردني د. مصلح النجار، يوجز المراحل التي مرّ بها الشعر العربيّ الحديث بخمس مراحل:

المرحلة العقلانية: تجربة الرواد (أربعينيّات القرن العشرين وخمسينيّاته)، المرحلة الرؤيوية: تجربة شعراء ستّينيّات القرن العشرين، مرحلة المصالحة بين العقلانية والرؤيوية: تجربة ما بعد ستّينيّات القرن العشرين، مرحلة انهيار المركز: تجربة ثمانينيّات القرن العشرين ومرحلة التّشتّت وتراجع التطرّفات: تجربة تسعينيّات القرن العشرين، والبداية المهشمة لقرن جديد.

ويرى النجار أن تلك المراحل لا تشكِّل قسمةً بمبضع جرَّاح، وإنما تحديداً عاماً لأبرز سمات الشعر في تلك المراحل.

ويقول "عبّر شعراء الأربعينيّات والخمسينيّات عن وعي خاص بالذات، إلاّ أن هذا الوعي لم يكن وعياً رومانسياً، ولا زائفاً، أو مَرَضِيًّاً متضخّماً، وإنما كان وعياً للذات بوصفها جزءاً من وعي الجماعة".

وبلمسة شعرية محدقة بالتفاصيل قدّم الشاعر السوري عبدالقادر الحصني شهادة جالت في بيت الطفولة، ورصدت الشعر في كل شيء حول الشاعر؛ في سيرة حياة الأم، وخوفها على مشاعر وردة تعامل معها الحصني بلا حساسية مفرطة، وفي منهجية حياة الأب، وفي أحوال العمات المقيمات معهم في بيت العائلة الكبير في حمص، وكذلك في أحوال العمام، وفي صوفية الجد، وحلقات ذكره، وقصائد ولهه.

وهي شعرية لمحها في مطولات العم الكبير، وفي الرغبة المحمومة لدى الوالد بأن يتعلم الابن القراءة والكتابة ليقرأ لأب شح بصره دواوين الشعر العربي، ولمحها أكثر ما لمحها في بيت عزلة اختارها طوعاً وشعراً، عندما طلب من حطاب أن يسلم له على الغابة، فرد عليه الحطاب عاتباً ومستنكراً: أتطلب من حطاب أن يسلم لك على الغابة وكائناتها؟!

ولمحها في حكمة الجد الذي عرفه على الحقيقة عبر لعبة الصغار (إيش ما إيش). وطورها (شعريته العابقة بملامح صوفية خاصة) عبر تعرّفه (قراءة) على شعراء حمص الرومانسيين: وصفي قرنفلي وعبد الباسط الصوفي وعبدالسلام عيون السود.

وإذ رحّب الشاعر حيدر محمود في حفل الافتتاح، بضيوف عمان ابنة المائة عام بلدي، فقد رسم الشاعر اللبناني محمد علي شمس الدين صورة ناصعة لعمون واقترانها الطقسي الأسطوري بتايكي. ومرّ على الديار وعرار، وتلال عمان السبعة، إطلالاً على أبواب الصحراء الواسعة. وعاين المزيج الخلاق الذي تقف في قلبه عمان بين البداوة والمدنية.

وعلى مدى خمسة أيام حتى نهاية الأسبوع الحالي، يلتقي شعراء ونقاد وباحثون ومعنيون محليون وعرب، حول الشعر، والشعرية العربية الحديثة والمعاصرة، وآفاقها، وقضايا متعلقة بها "المكان في الشعر" على سبيل المثال، ويتساءل المشاركون هل هي "أزمة شاعر أم أزمة قارئ؟"، ويستعرضون في جلسة أخرى الأنواع الشعرية العربية الرائجة. ولمحمود درويش الشاعر الفلسطيني العربي العالمي الراحل تعقد مائدة مستديرة تحت عنوان "محمود درويش وفضاءات الشعرية العربية المعاصرة". والصورة الشعرية لها ورقة ضمن أوراق الملتقى الذي تنظمه الدائرة الثقافية (بيت الفن) في أمانة عمان الكبرى احتفالاً بمئوية العاصمة، وكذلك اللغة الشعرية، ومرايا الشاعر العربي المقيم في باريس أدونيس، لها ورقة تبحث المفهوم والتقنيات والتوظيف.

التعليق