جمانة حداد سبع نساء في امرأة لا تعترف بالممنوعات أو الأقنعة

تم نشره في الاثنين 11 أيار / مايو 2009. 10:00 صباحاً
  • جمانة حداد سبع نساء في امرأة لا تعترف بالممنوعات أو الأقنعة

 

زياد العناني

عمان - سبع نساء في امرأة، وسبع لغات في شاعرة مشاكسة تتمدد مسترخية في جملة ابن عربي "الجميل يعيث جمالا" وكأن الجملة ما قيلت إلا لتكون سريرها.

ولأنها قصيدة ونمرة تتجول في مرايا المنام، وتقتحم المقدس والمدنس غير آبهة بالحرس أو بالفخاخ التي ينصبها العجزة في كل نميمة، أو حين تتضخم بهم أعضاء الحسد جعلت من هاجسها الأول أن تكتب بلغة من تعرف المرأة والرجل معا، وتبحث في لوحة الجنسين من دون أن تكون معنية جدا في معنى الباطن المتصل بين الحياة والموت، وما بينهما من مستور ومفضوح قد يتجلى أخيرا في قصيدة ناضجة، وتنطوي على شعرية تجعل من السرد فتنة ولذة نصية محفوفة بالتعب والمثابرة.

تنهد جمانة حداد إلى تمثيل نفسها في مجموعتها اللافتة "عودة ليليت" وتقول عن هذه الأسطورة السومرية من حيث التشابه: لقد اخترتُ ليليت لأنها توأمي، وتوأم كل امرأة تفكّر وتعيش حياتها مثلي، متلذذة بالتهام أيامها ولياليها كما تلتهم النيران وليمة الغابة.

وتضيف "ليليت هي المرأة الحرّة، الصريحة، النهمة، المتمردة على الطاعة العمياء وعلى حلم الكمال المضجر. قصّتها سحرتني عندما اطّلعت عليها للمرة الأولى لأربعة أعوام خلت. يومذاك قرأتُ في أحد المراجع أنّها المرأة الأولى، الأصلية، التي خُلِقت من التراب على غرار آدم، لكنّها رفضت الخضوع الأعمى للرجل فهربت وأبت العودة إلى قفصها الذهبي. وكان العقاب بأن نُفيت إلى غير رجعة وقضي عليها بأن تظل شريدة أبداً، وأن تعيش في الأماكن المقفرة من الأرض.

وتزيد: نص ليليت يُحكى الكثير عن جرأة نصي وانتهاكه المسكوت عنه، لكني لا أتلقى هذا النوع من الوصف كتهمة ينبغي لي الدفاع عن نفسي إزاءها. لا اعترف أصلا بالممنوعات التي تحول دون سعي نصي الى حقيقته. وأنا إذ أكتبُ عن جسدي واستيهاماتي لا أفعل ذلك لكي أستعرض عضلات جرأتي، بل سعياً منّي إلى أن أكون أمينة لما أعيشه في داخلي، ولما أهجس به.

بيد أن جمانة التي تمقت الشعارات الكبيرة في القصيدة، ولا تتحرك في هذا المجال رسمت نموذجا للمرأة الأصلية، الحقيقية، الحرّة، المتمرّدة، المستقلة، التي لم ترجع لكي تنقذ العالم، بل لتزيده خرابا ومتعة.

ولأنها تقف مع الندية بين الجنسين تقول: "الرجل ليس عدوي، لا في الشعر ولا في الحياة، ولا أعتبر علاقتي به حربا، بل أراه ندّي وشريكي. لا هو يريد إخضاعي، ولا أنا أرغب في السيطرة عليه، وإنني أرفض تحويله جلادا ظالما وتحويل المرأة ضحية متألمة.

وعن أنوثتها تقول جمانة: "أعيش أنوثتي بكل خلاياي، ولدي الكثير من هواجس تلك الأنوثة وحاجاتها ومتعاتها. أنيقة، أحب الاهتمام بمظهري، وأنفق من المال على الكريمات والثياب بقدر ما أنفق منه على شراء الكتب، وغيرها من أدوات السهر على الداخل".

وتضيف "أنا عادلة في الاهتمام الذي أوليه للمظهر والجوهر على السواء، فلا تكون غلبة للواحد منهما على حساب الثاني. أذهب باستمرار لدى مصفف الشعر وخبيرة التجميل، وأحدّق في المرآة أحيانا وتؤرقني الخطوط الصغيرة التي قد أرصدها حول عينيّ. مغناج، أحتاج الى أن يدللني حبيبي ويمسّد شعري ويغازلني، بقدر ما أدلّله أنا بدوري وأخترع من أجله كل يوم جنونا من نوع جديد".

وفي سياق آخر تسعى جمانة حداد في مجلتها الجديدة "جسد" إلى إعادة الاعتبار إلى الجسد الإنساني واللغوي، عبر موضوعات جريئة تطرق باب المحرمات في العالم العربي.

وتعرف حداد المجلة أنها "ثقافية فكرية تبحث في آداب الجسد والفنون التي تتناول الجسد والعلوم أيضا".

لكن حداد تقول إن المجلة "تطرح الجسد بأبعاده الاجتماعية والأنثربولوجية والعلمية الذي يطلع عليها يجد أنها مقالات واعية فيها الكثير من الفكر والصور الموجودة.

وتضيف "قد تكون هتلك الأعمال صادمة للبعض، ولكن لا يحق لأي شخص أن يقول إنها "بورنوغرافيا" إلا إذا كان يفتقر إلى ثقافة معينة تخوله التمييز بين البورنوغرافيا والعمل الفني".

وتشير حداد إلى تلقيها مجموعة من الرسائل اليومية "إما رسائل إهانة أو هجوم أو رسائل دعم"، وتؤكد أن الجهات التي تهاجمها هي من الجهات المتطرفة.

ويرى الطاهر بن جلون أن شِعر صاحبة مجموعة "يدان في الهاوية" يقطع الأنفاس، ويذهب دائما إلى الحدود القصوى.

ويبين بن جلون: "لم نألف في العالم العربي أن نقرأ شعراً بالعري العاري بمعنى أن لا هوادة فيه".

ويقول: "هذا الشعر يفرض نفسه بالرفض والقطيعة: رفض الاختفاء وراء الأقنعة، والقطيعة مع المجاز حين ينتصب بمثابة حجاب للواقع".

ويؤكد أن صوت جمانة الشعري، فريد من نوعه في الأدب العربي، اليوم، لأنه لا يساوم، ولا يرهق نفسه بأيّ مفاوضة مع اللغة أوالتقاليد.

ويكتب عقل العويط ترحيبا علنيا بجمانة، مؤكدا أنها شاعرة ذات نبرة خاصة ولغة حية تنضحان بكثير من ماء الجحيم والتجربة الشخصية.

ويعتبر أن الدخول الى عالم جمانة حداد محفوف بالمقارنة والالتباس. لأنه دخول إلى المجهول الآسر والأليف في آن واحد، رائيا أن خصوصية شعرها تكمن في صدقه العاري، وفي خلوّه من الأقنعة والمواربة والافتعال، حيث تختار هذه الأسئلة ملعب الوجدان الداخلي، أي ملعب الهواجس والحب.

ويصف الشاعر شوقي بزيع شعر جمانة بالخارج عن التراث التقليدي للكتابة النسائية العربية، الباحثة عبر الإفصاح الجسدي السافر عن وسيلة للتحقق، واستعادة التوازن والتنفيس عن الرغبات المقموعة.

ويرى أنه يتميز برهافته واتصاله بالداخل الانساني المشترك بين الأجناس الى الحد الذي يبدو معه وكأنه كتابة بلا جنس أو إصغاء إلى المناطق الجوفية التي يتحد فيها الكائن مع نقيضه، ويتحولان إلى صرخة واحدة في وجه الموت.

من جهته يلفت الناقد عماد موسى إلى مجموعة جمانة حداد "دعوة إلى عشاء سرّي"، معتبرا أنها كتاب مفتوح على التناقض الجميل وعلى رمادية الحزن والتأرجح بين الحقيقة وظلها.

ويرى أن سلطة جمانة حداد تنبع من أنها أنثى، صريحة في تلمسها المعاني والذات. ولأنها غير كل النساء تختار السيد الذي تحبه وترفض أن تحبه.

ويجزم الشاعر عبده وازن بأن جمانة لا تعتمد فعل الهتك للهتك، بل لفضح الممنوع والمحظور وليس لإلغائهما.

ويشير إلى ما قامت به هو ما تتمثله الأروسية نفسها، التي تهدف إلى ملامسة الكائن في الحال الأكثر حميمية دافعة إياه إلى تأمل نفسه "في ذروة نفسه"، لافتا إلى أن الأروسية تغدو لدى جمانة حداد مدخلاً الى التجربة الداخلية، الروحية والحلمية، وتصبح اللحظة الجنسية لحظة شعرية تمارس "كينونتها" في صميم اللغة.

يذكر أن الشاعرة جمانة حداد ولدت في العام 1970، في بيروت وهي كاتبة ومترجمة وصحافية لبنانية.

تعمل جمانة حداد مسؤولةً عن الصفحة الثقافية في جريدة النهار اللبنانية، ومديرةً إداريةً للجائزة العالمية للرواية العربية (أو الـ"بوكر" العربية)، ورئيسة تحرير مجلة "جسد"، وهي مجلة أولى من نوعها في العالم العربي، متخصصة في آداب الجسد وفنونه.

أصدرت مجموعات شعرية عدّة نالت صدى نقدياً واسعاً في لبنان والعالم العربي، كما تُرجم بعضها إلى لغات أجنبية.

أجرت سلسلة من الحوارات الشاملة مع مجموعة كبيرة من الكتّاب العالميين، من أمثال أومبيرتو إكو، بول أوستر، جوزيه ساراماغو، باولو كويلو، بيتر هاندكه وآخرين.

تتقن سبع لغات، ولها ترجمات في الشعر والرواية والمسرح لعددٍ من الأدباء العرب والعالميين، منها "انطولوجيا الشعر اللبناني الحديث" بالإسبانية التي صدرت في إسبانيا كما في بلدان مختلفة من أميركا اللاتينية.

نالت جائزة الصحافة العربية في العام 2006. وهي عضوٌ في هيئة الكتاب والمطالعة في وزارة الثقافة اللبنانية.

التعليق