لاكوتور يرى في كتابه " فاقدو الصبر في التاريخ" أن "الصحافي الجيد ليس بطلا بالضرورة"

تم نشره في الاثنين 20 نيسان / أبريل 2009. 10:00 صباحاً

 

إعداد: مدني قصري

عمان- من أقوله المأثورة "لا تَرْوِ حياتَك كما عشتها، بلْ عشْ حياتك على نحو ما سوف ترويها". جون لاكوتور، كاتب سيرة ميتران، وديغول، ومالرو، هذا الذي مارس الصحافة لأكثر من ستين عاماً، يُوقّع اليوم لدى دار "غراسيت"، وتحت عنوان "فاقدو الصبر في التاريخ"، كتاباً يُحيّي فيه تحية كبيرة، الأسماء الكبيرة في مهنته، من رونودو إلى مورياك، مروراً بألبير لندن، من خلال سيَر قصيرة، تناول فيها 14 شخصية على مدى ثلاثة قرون من الزمن. مسيرة التزام هؤلاء الرواد في مجال الإعلام.

عرف جون لاكوتور العديد من القادة الوطنيين، ومن المسؤولين العظام، المعادين للاستعمار، أمثال جمال عبد الناصر، وقادة جبهة التحرير الجزائرية، وهوشي منه، وقد كتب العديد من المقالات التي ينتقد فيها الاستعمار.

وكان دوماً منحازاً لفكرة إنهاء النظام الاستعماري في العالم. درس جون لاكوتور في مدرسة اليسوعيين في مدينة بوردو، وتابع دراسته الجامعية (في الحقوق والآداب) في جامعة باريس، وحصل على دبلوم في العلوم السياسية.

عمل ملحقاً صحافياً لدى الجنرال لوكليرك، في نهاية الحرب العالمية الثانية. وقد بدأ حياته المهنية كصحافي وكمراسل حرب في العام 1950، فعمل في جريدة لوموند، ثم فرانس سوار، ثم مراسلا في القاهرة.

وفي العام 1974 حصل على الجائزة الكبرى في الآداب لمدينة بوردو، وفي العام 1980 نال جائزة "لابورس غونكور" للسيرة، التي تمنحها مدينة نانسي، عن كتابه حول فرنسوا مورياك. وقد اهتم جون لاكوتور، الذي اشتهر بسيرته عن ديغول، بفك ما سُمّي بـ "لغز ميتران".

في كتابه الجديد "فاقدو الصبر في التاريخ"، وبصفته صحافياً خبيراً، أراد جون لاكوتور أن يدافع عن هذه المهنة، إذ يقول "لقد رغبت في أن أدافع وأحيي أولئك الذي صنعوا المجد في هذا البلد (فرنسا).

ففي الوسط الذي عشت فيه، وهو الوسط الذي كان متميزاً إلى حد كبير، بطابع البرجوازية الثقافية، كانت الصحافة تُعتبر نوعاً من المغامرة. فقد كان هذا الوسط عالماً يريد الناس فيه أن يصبحوا مهندسين، أو دبلوماسيين، أو محامين. أما الصحافة، فقد كانت تُعتبر مهنة المغامرة.

مهنةٌ قد يمارسها أناس موهوبون حقاً، لكنْ من النادر ما كان الناس يشجعون على ممارستها. عن سؤال يتعلق بالمخاطر التي يتعرض لها الصحافي في مهنته، يقول جون لاكوتور "إن الصحافة بالفعل، مهنة خطرة، ليس لأن الصحافي معرّض لأن يجد نفسه في ساحة معركة، ولكن لأنه قد ينشر معلومة خاطئة، فيُوصف بعدم الصدق، أو باللامبالاة، أو بالخيانة.

 وفي سؤال حول وصفِه لـ كاميل ديمولان (صحافي بارز تم إعدامه أثناء الثورة الفرنسية)، بعدم رباطة الجأش وهو محمولٌ على العربة التي قادته إلى المشنقة، بالقول إنه بطل مضاد، ومواطن عادي، يقول لاكوتور "إذا كنت أتحدث عنه كما أتحدث عن أي مواطن عادي، فتلك لصفة طيبة في الصحافي.

إنني أذكر هنا هذا المشهد من التاريخ، لأنني أرى شيئاً جميلا في هذا الخوف من منصة الإعدام . فالأمر إنساني للغاية. أحب الصحافي دومولان، لأنه أظهر خوفه. فهو أخي وأنا لا أحتقره، لأنني أعتقد أنه كان يمكن أن أجد نفسي في الوضعية نفسها.

فلكي تكون صحافياً كبيراً لستَ مطالباً بأن تكسب معارك كبرى، وبأن تنزل بمظلة فوق جبال إفرست الشاهقة! هناك بالفعل بعض الأبطال، أمثال برنار لازار (كان صحافيا وناقدا أدبيا، وعبثياً، وجدلياً فرنسياً عاش في نهاية القرن التاسع عشر)، لكن الصحافي الجيد ليس بطلا.

أما عن رؤيته حول الصحافة في الوضع الحالي، يقول جون لاكوتور، إنه قلق ومنشغل أيما انشغال، على الصحافة التي مارسها طويلا، أي "الصحافة الورقية"، لأن المعلومات، في رأيه، "ستنتقل إلى الانترنت، مع نقائصها في مجال الدقة والوضوح".

وفي هذا السياق يضيف قائلا: "مع الانترنت والمواقع الالكترونية، نشعر وكأن كل الناس سيصيرون صحافيين. إننا نسير نحو الضباب العام". لكن لاكوتور، يكتفي بهذا القدر من التعليق في هذا الشأن قائلا " لكنني لن أتحدث عن هذا الموضوع كمُشاكسٍ فاته قطارُ الحداثة.

لست مؤهلا لأن أحكم على صحافة اليوم. وأريد فقط أنْ أحيي الأسماء الكبيرة في هذه المهنة". أما عن دلالة العنوان الذي يحمله كتابه الجديد "فاقدو الصبر في التاريخ" يقول جون لاكوتور "إن هؤلاء هم الذين يقترحون المعلومة، الرَّمية الأولى للتاريخ، الصرخة الأولى قبل أن تصبح أنشودة للتاريخ".

التعليق