دائرة للمعلومات بدل "المطبوعات والنشر"

تم نشره في الخميس 16 نيسان / أبريل 2009. 10:00 صباحاً

 

عبد الله حموده

منذ عشرات السنين ودائرة المطبوعات والنشر، التي نشأت مع نشوء الإمارة في بداية عشرينيات القرن الماضي، وهي تقوم بدور الرقابة على ضمير الكتاب والمبدعين والصحافيين، فمنعت وصادرت عشرات بل مئات الكتب وحولت كثيراً من الكتاب والصحافيين والمبدعين إلى المحاكم، سواء بالاستناد إلى مواد المطبوعات والنشر، أو نصوص من قوانين أخرى ذات علاقة بالمطبوعات والنشر (وهو عنوان كراس أصدرته دائرة المطبوعات والنشر في العام 1993).

ومن الملفت للنظر أن المشكلة ليست في الموظفين الذين نحترمهم، ولكن المشكلة تكمن في القانون الذي يعطي الحق بالمصادرة والمنع والحبس، خصوصا القوانين الأخرى، التي أشار إليها الكراس أو التي لم يشر إليها بشكل واضح، لأن قانون المطبوعات والنشر المعدل والصادر في العام 2007 لا يسمح بتوقيف الكتاب والصحافيين والمبدعين. إلا بعد أن يتم اللجوء إلى تكييف القضايا لتنطبق عليها أحكام قوانين أخرى، مثل قانون العقوبات وحرمة المحاكم وحفظ أسرار ووثائق الدولة وغيرها من القوانين.

إن كاتباً وشاعراً وصحافيا واحداً هو الأستاذ فهد الريماوي رئيس تحرير صحيفة "المجد" الأسبوعية تم تحويله إلى المحكمة 19 مرة، منها 11 مرة بالاستناد إلى قانون المطبوعات، وثمانية حسب القوانين الأخرى، وفق ما جاء في عدد جريدة "المجد" الصادر بتاريخ 13/4/2009. وعلينا أن نتصور معاناة الكاتب والصحافي والمبدع والشاعر الذي يحول 19 مرة إلى المحكمة في مدة عشر سنوات، أي أنه يحول للمحكمة بمعدل مرتين في السنة، وهذه معاناة باهظة التكاليف نفسياً ومعنوياً على المبدع.

إن هذا المثال يوضح لنا أن المشكلة تكمن في نصوص القوانين، وخصوصا قانون المطبوعات والنشر، والقوانين الأخرى التي تجيز لمدير دائرة المطبوعات والنشر أن يحول قضايا النشر إلى المحاكم، حسب تنسيب موظف أو عدد من الموظفين في دائرته مستندين إلى النصوص القانونية التي تجيز لهم ذلك.

إن آلاف الكتب التي منعتها الدائرة منذ نشوئها قبل حوالي 90 عاماً، تبين كم من الظلم لحق بالمواطن الأردني أو العربي المقيم في الأردن عبر حرمانه من الاطلاع على هذه الكتب. إنني لست ضد إقامة دعاوى من المتضررين فذلك حق للجميع، لكن لا يجوز مصادرة الكتب وتوقيف الكتاب والصحافيين والمبدعين قبل صدور الحكم النهائي من المحكمة، كما لا يجوز توجيه تهمة التكفير لأي مبدع أو شاعر أو روائي أو صحافي، لأن ذلك من اختصاص الإله وحده وتهمة التكفير هي أشد أنواع الإرهاب، لأن المبدع والصحافي يتعرض لأصعب موقف في حياته عند اتهامه بالكفر والادعاء عليه بأنه تعرض للذات الإلهية. وهو ما قد يُعرض حياته للخطر من ناحية، ويجعله منبوذاً في المجتمع من ناحية أخرى، بالإضافة إلى تعرضه للإحباط وربما التفكير بالهجرة ومغادرة الوطن.

إنني أطالب بتغيير اسم ودور دائرة المطبوعات والنشر لتصبح دائرة للمعلومات، تقدم خدمات ثقافية للباحثين المقيمين في بلدنا، بدلاً من مراقبتهم وتحويلهم للمحاكم. ويتطلب ذلك تغييرا في مختلف القوانين التي تسمح بحبس المبدعين والصحافيين، وإلغاء قانون المطبوعات والنشر نهائياً، وعمل قانون جديد خاص (قانون دائرة المعلومات) يتعلق بتقديم الوثائق والمعلومات لجمهور الباحثين والمبدعين.

المشكلة ليست في الموظفين الذين نحترم، وإنما المشكلة الحقيقية في نصوص القوانين التي تسمح بالمصادرة والحبس والرقابة، وعندما تتغير القوانين باتجاه مزيد من الحريات وتصبح دائرة للمعلومات، فإن موظفي الدائرة تتفجر لديهم طاقات خيرة لخدمة المبدعين لأن القانون يسمح بذلك، وتصبح العلاقة بينهم وبين المبدعين علاقات حميمية، ويستفيد المجتمع من مناخ الحرية الجديد الذي يعطي الحق للمبدعين في نقد جميع نواحي حياتنا للوصول إلى مجتمع أفضل.

أليس من المعيب أن تمنع دائرة المطبوعات والنشر كتباً لأساتذة مثل الدكتور علي محافظة الذي كان رئيساً لأكثر من جامعة أو الدكتور وهيب الشاعر، أو الكاتب موفق محادين أو كتباً لشيخ المناضلين بهجت أبو غربية، أو رواية للكاتبة رفقة دودين، أو مذكرات المناضل ضافي الجمعاني، أو كتاب فتحي البس (انثيال الذاكرة) أو كتباً للمبدع إبراهيم نصر الله مثل مصادرة كتاب "طيور الحذر" ثم العودة للسماح به، أو تحويله للمحكمة على ديوانه المنشور العام 1984 "نعمان يسترد لونه" الذي كان مسموحاً به وفق تقرير كتبه أحدهم في ديوان الشعر، ثم العودة عن ذلك وإلغاء المحاكمة بعد وقوف رابطة الكتاب مع هذا المبدع في الأردن وخارجه ما اضطر الدائرة لأن توقف المحاكمة.

إن ترسانة ضخمة من القوانين بحاجة إلى تغيير، خاصة تلك التي صدرت بقوانين مؤقتة. إن الحرية هي سر الحياة والحرية تأتي بالأمن وليس العكس.

نقد الفكر بالفكر والرواية تحتاج إلى أديب روائي لينقدها، كذلك نحتاج إلى مبدع وناقد في نقد ديوان لشاعر، وإلى باحث لنقد باحث آخر. فالأمر لا يحتاج إلى قوانين وإجراءات إدارية.

إذا أردنا الحرية فيجب أن نناضل لأجلها، لأن الحرية ومناخها هو الذي يجعل البراعم تتفتح لتعطينا ثمراً حقيقياً لمنفعة الوطن.

إن المواطن الحر والكاتب الحر يدافع عن وطنه أكثر من المواطنين مسلوبي الحرية. نريد مواطنين أحراراً وكتاباً أحراراً ومبدعين أحراراً.

التعليق