المدعي العام العسكري أداة إعلامية في يد الجيش

تم نشره في الجمعة 3 نيسان / أبريل 2009. 10:00 صباحاً

هآرتس – جدعون ليفي

     

كل من يخاف على سلطة القانون، وكل مهتم بوجه Yسرائيل الاخلاقي ومشفق من أن جنودها نفذوا جرائم حرب في غزة، يستطيع ان يطمئن: فالمدعي العام العسكري العميد آفي حاي مندلبليت أمر باغلاق ملف التحقيق في قضية شهادات خريجي معهد اسحاق رابين العسكري عن عملية "الرصاص المصهور". وقد تم بسرعة دفن القصة التي أثارت العالم.

لدينا قضاة في القدس ولدينا مدع عسكري رئيس في الكرياه في تل ابيب، لكننا لم نشعر بالحاجة الى أخذ شهادات الفلسطينيين، ولا تحقيق ولا بطيخ – انتهى الملف الى سلة المهملات وانقضى الامر.

اثبت المدعي العسكري المتسرع الى حد الفضيحة ما كان معروفا منذ وقت وهو ان النيابة التي يرأسها هي جهة دعائية، وأعضاؤها جنود في الخدمة الإعلامية للجيش الإسرائيلي، والعلاقة بينها وبين القضاء هي بالضبط كالعلاقة بين الموسيقى والمارشات العسكرية، كما قال جورج كليمنصو.

ليس معقولا ان يحقق الجيش الإسرائيلي مع نفسه بل انه لا ينوي ذلك، مثلما لا تحقق الشرطة في اتهامات ضد أفرادها.

كان المطلوب جهاز قضائي مستقل يستطيع تبين الاسئلة الصعبة التي اثيرت من ميادين القتل والدمار في غزة. ولكن، وبينما يظل نصف العالم مشغولا في استيضاح الاسئلة المقلقة في شأن جرائم الحرب في غزة، واستعمال الفوسفور الابيض على سكان مدنيين، والدمار المبالغ فيه، واصابة الفرق الطبية، والمدارس ومنشآت الاونروا، يحسم المدعي العسكري الرئيس حكمه وهو ان شهادات الجنود كانت "اشاعات". بعبارة اخرى "لقد كذبوا، فجيشنا نقي وسلاحنا طاهر". ارضى مندلبليت منتدبيه – قادته، واصبح المدعي محاميا، وغطى المحقق على من يحقق معهم.

منذ البداية كان علينا الا نتوقع شيئا، فمنذ قررت النيابة العسكرية ان لا يحقق الجيش الإسرائيلي في الانتفاضة الثانية تلاشى الحكم الأخلاقي، فبعد ان قتل 4747 فلسطينيا في السنين التسع الاخيرة، ومنهم 942 من الاولاد والفتيان، بحسب معطيات "بتسيلم"، قدمت ثلاثون لائحة اتهام فقط، وأدين خمسة جنود فقط وحكم على واحد منهم فقط بالسجن. وفي هذا الأمر قال الجيش الإسرائيلي بوضوح ان قتل الفلسطينيين لا يعني الجهاز القضائي العسكري.

وتبدو الرسالة الى الجنود واضحة أيضا: اقتلوا كما شئتم. لن يحدث لكم سوء، حتى أن الجيش الإسرائيلي لن يحقق. والان، وبعد ما يقرب من 1300 قتيل في غزة، عاد المدعي العسكري العام وعزز سياسة القضاء هذه.

لو كان للجيش الاسرائيلي جهاز قضائي مستقل حقا، لكان يجب ان يكون أول من يهب للتحقيق بما حدث في غزة. ولو كان الجيش الإسرائيلي يخاف حقا على اخلاقية جنوده، لما كان يجب ان ينتظر حتى ينشر التحقيق في صحيفة هآرتس. لكن الجيش الإسرائيلي لا يريد التحقيق، والمدعي العسكري الرئيس يسير مع هذا التوجه.

وقد فتح مندلبليت بقراره الباب امام العالم: فمع عدم وجود اي تحقيق حقيقي في إسرائيل، ستضطر مؤسسات دولية ان تستوضح ما حدث في غزة ومن يتحمل الاثم. وفي وضع لا يوجد فيه دعم قضائي لطالبي القانون في اسرائيل، فمن حقهم وواجبهم ان يتوجهوا الان الى العالم داعين اياه للتحقيق. لأن هناك اسرائيليين ايضا قلقون مما حدث في غزة.

ويبقى أن الضرر الذي ألحقه قرار المدعي العام الرئيس يتجاوز كثيرا ميدان القتال فالحديث عن سلطة القانون، ومن يعتقد ان صورة إسرائيل كدولة قانون تصاغ في محكمة العدل العليا فقط، يخطىء ويضلل. ان مندلبليت يصوغ صورتها على نحو لا يقل عن دوريت بينش. وفضلا عن ذلك ما يزال بعض خريجي الجهاز القضائي العسكري، على اختلاف اعوجاجه، يتابعون طريقهم الى قمة الجهاز القضائي المدني، ويدخلون فيه قيم الجيش الإسرائيلي المرفوضة.

لا يمكن ان تعد إسرائيل دولة قانون، اذا كان في ساحتها الخلفية هذا الشيء القديم المسمى الجهاز القضائي العسكري. وعندما يفصل هذا الجهاز عن الجيش الإسرائيلي ويحقق القضاء المدني في سلوك الجيش الإسرائيلي، آنذاك فقط سنعلم أن لدينا جيش قانون ودولة قانون. وحتى ذلك الوقت فإن العيون ستتجه إلى لاهاي.

التعليق