سميح القاسم يرسم ملامح للقدس بصوفية عالية ويأسف لجرح غزة وحياتها العسيرة

تم نشره في الثلاثاء 31 آذار / مارس 2009. 10:00 صباحاً
  • سميح القاسم يرسم ملامح للقدس بصوفية عالية ويأسف لجرح غزة وحياتها العسيرة

شاعر فلسطيني يقدم أمسية ضمن أيام عمان المسرحية

 

مدني قصري

عمّان- أخلص الشاعر الفلسطيني سميح القاسم في أمسيته أول من أمس في مركز الحسين الثقافي، بقضايا وطنه، وعاصمته، القدس، التي تحتفل هذا العام باختيارها عاصمة للثقافة العربية.

وبدأ الشاعر أمسيته، التي أقيمت ضمن فعاليات أيام عمان المسرحية، بالإشارة إلى أنه قبل أعوام، "وفي هذا الصّرح الثقافي الجميل، العامر بأهله، احتفلنا بعمّان عاصمة للثقافة العربية. وكان من المفروض أن نحتفل اليوم بالقدس عاصمة للثقافة العربية. لكن، مَنَعَ احتفالاتِنا بالقدس فاتحٌ يُدعَى ريتشارد قلب الأسد، وفي رواية أخرى اسمه أولمرت قلب الذئب!".

وقرأ القاسم في هذا السياق، قصيدة جديدة حملتْ همومَ فلسطين، ونضالها الطويل، ومنها: "آن الأوان لترحل ريتشارد/ ضبابك يطلب نوراً جديداً/ وأنت تحارب نوري القديم".

لم يكتف بهذا القدر في همّه الفلسطيني، فتناول في قصيدته الثانية، هموم أهل القدس، قائلا "إن هناك مئات الآلاف من أهل القدس وكأنهم غير موجودين، وهم بشر مثلنا". وفي هذا السياق قرأ قصيدة طويلة مؤثرة وصف فيها، في صوفية عالية، كل صغيرة وكبيرة في حياة سكان القدس، وعاداتهم، وتقاليدهم، وطقوسهم الجميلة، وملامحهم، وكل ذرة من ذرّات القدس، المدينة المقدسة التي دنستها أيادي الصهيونية الغاشمة.

وتألق سميح القاسم، على إثر تلك القصيدة القدسية التي صفق لها الجمهور كثيراً، بقصيدة جديدة اسمها "أنا متأسف"، انتقل بها إلى محنة أخرى، وهي محنة المدينة المناضلة المحاصرة، غزة، وما يتعرض له أبناؤها الصامدون من قتل.

وجاءت القصيدة في شكل حوار عميق مع العقلية الصهيونية من داخلها، مطلعها: "حياتي العسيرة مكلفةٌ. يا أخي وعدوّي الغني الفقير. ومَوْتي السريعُ المفاجئُ..مكلفْ!/ أنا متأسفْ/ لأني وُلدتُ بغير نظام البنوكِ وأسواقِ مال العواصمْ/ وبورصة موتي مسقط رأسي/ فلا لأعيشَ وُلدتُ، ولكنْ لتُقطَع رأسي، إذًا، سأقاومْ/ مُكلفةٌ، يا نقيضي، حياتي. وموتي مكلفٌ، إذًا، متأسفْ. أنا متأسفْ!/ وما مِتُّ خوفًا. أنا متُّ موتًا. كما شئتَ أنت. فخفتُ. ولا بيت يحمي. ولا همَّ ينجي. ولا حكمَ يُنصف. أنا متأسفْ!".

وتطرق القاسم، في قصيدته الرثائية الأخيرة، إلى صداقته مع الشاعر الراحل محمود درويش، فتألم في قصيدته الحزينة، لرحيل الشاعر العظيم الذي اعتاد أن يقاسمه، وأسرته، أعياد رأس السنة، إذ قال "وجدتني في ورطة. الأسرة كانت تُعد لاحتفالٍ بسيط. قلتُ لنفسي "ربما محمود عمل بنا مقلبه" (لأنه لم يأتِ)، وينبغي أن يشاركنا رأس السنة. فتحتُ التلفون "ألو محمود!" أجاب التلفون "لا يمكن الوصول إلى الرقم المطلوب حالياً. يرجى إعادة الطلب فيما بعد".

وظل الشاعر، عبثًا، يحاول الاتصال بصديقه الذي رحل. وظل التلفون يردد بلا كلل: "لا يمكن الوصول إلى الرقم المطلوب حاليا. يرجى الاتصال فيما بعد". وبهذه الكلمات الرقيقة التي رثى بها فقيد القصيدة العربية، محمود درويش، أنهى سميح القاسم هذه الأمسية الشعرية التي رسم فيها، بأدواته الفنية المتنوعة والمتجددة دوماً، وبألسنة النار المتأججة في أعصابه وقلبه وروحه، عشقه لفلسطين.

كان الجمهور الذي حضر الأمسية أقلّ مما كان متوقعاً، إذ لم تمتلئ القاعة، ربما بسبب توزع المهتمين بالشأن الثقافي على فعاليات مهرجان المسرح الأخرى، لكن الذين حضروا الأمسية، وهم كُثر بالتأكيد، من المولعين بالشعر عامة، وبشعر سميح القاسم خاصة.

بدا سميح القاسم، كعادته، سعيداً بهذا التواصل الحميم بين قصائده والجمهور.. وهي المشاركة التي يحب سميح القاسم أن يصفها بالتماهي بين ذاته وذات الآخر.. ليس تماهياً مقصوداً، لكنه تماهٍ تلقائي، إنساني ووجداني، بينه وبين عشاقه.

وعن سؤال وجهته إليه "الغد" حول إن كان الشعراء هم آخر المغامرين في عصرنا، ردّ سميح القاسم، في ذكاء، قائلا: "هذا ادعاءٌ أناني، هل علماء الفضاء أقل مغامرة من الشعراء؟ هل الأطباء أقل مغامرة من الشعراء؟ ثم هل الشعراء أنفسهم أقل مغامرة من الشعراء؟".

آمن القاسم دوماً بأنّ الحضور يكون أوّلا للقصيدة، وليس للشاعر. وأحب المغامرة الفنية ومارسها بكامل الحرية. سميح القاسم، بلا شك، واحد من أبرز شعراء فلسطين. أرّخ في شعره المنبري لعقود من النضال، واستوقف في أعماله الشعرية الكثيرة، الحب، والحزن، والجمال، والقوة، والغضب، وأشياء أخرى، صغيرة وكبيرة!.

ولد الشاعر لعائلة درزية فلسطينية، في مدينة الزرقاء الأردنية العام 1929، وتعلّم في مدارس الناصرة وغيرها. وقد درّس في إحدى المدارس، ثم انصرف بعد ذلك إلى العمل السياسي في الحزب الشيوعي، قبل أن يترك هذا الحزب ويتفرّغ لعمله الأدبي.

تناولت كتبٌ ودراساتٌ عديدة في الوطن العربي، أعمال الشاعر، وسيرته، الأدبية، وإضافاته الخاصة، شكلا ومضمونا. وأجمعت هذه الدراسات النقدية، على وصفه بشاعر المقاومة الفلسطينية، وشاعر القومية العربية، وشاعر الغضب القومي، وغيرها من الألقاب. كما حصل الشاعر سميح القاسم، على العديد من الجوائز، والدروع، وشهادات التقدير، إلى جانب عضوية الشرف في عدّة مؤسسات. ومن جوائزه "غار الشعر" من إسبانيا، وجائزة "البابطين، وجائزة "نجيب محفوظ" من مصر، وجائزة "الإبداع الفلسطينية"، و"وسام القدس"، وجائزتان من فرنسا، عن مختاراته التي ترجمت إلى الفرنسية.

التعليق