أبو الشعر تقرأ قصصا في "تضامن النساء" تخلخل قتامة الواقع المعاش

تم نشره في الجمعة 20 آذار / مارس 2009. 09:00 صباحاً
  • أبو الشعر تقرأ قصصا في "تضامن النساء" تخلخل قتامة الواقع المعاش

 

محمد جميل خضر

عمان- في فضاء سردي متعدد الوجوه والصور والاحتمالات، تبني مديرة مكتبة الجامعة الأردنية ودار النشر التابعة لها القاصة والباحثة د. هند أبو الشعر عالمها القصصي.

ورغم قتامة الواقع الذي نهلت أبو الشعر منه في قصص أمسيتها أول من أمس في معهد تضامن النساء، ورغم رعبه ومأساويته وغيومه المكفهرة، إلا أن ضوء أمل يشبه دفء دماء وأنفاس يستعيدها الإصرار داخل أركان حصان محتضر، ينبعث بشكل أو بآخر في نهايات قصصها.

إنها قصص تبقينا في فزع متصل وفي يقظة دائمة في الوقت نفسه، وتحمل مأساويتها (غالباً) سمات مصير جماعي تتماهى فيه الأنا / الذات الفردية وتخلق معه ارتباطاً عضوياً لا فكاك منه.

فالصبية في "رياح الخماسين الساخنة"، ليست مدلولها المتعين فقط، إنها الخيار الإنساني المعدوم في لحظة حصار طالعة من عيون نهمة وأطماع استعمارية لا محدودة.

والحصان في القصة التي تحمل اسمه، ليس الكائن الذي يجري عليه المستثمرون وهواة السباق الرهان، إنه المجد الغابر منذ أيام غرناطة:

"- لقد رأيت هاتين العينين الميتتين من قبل.

-من قبل؟

قال الرجل الأول وهو يمسك بقائمة الحصان التي توقف فيها النبض.

-أين؟

-في غرناطة.. كانوا يسلمون المفاتيح الكبيرة، وفي أسفل اللوحة التي تأملتها بعينين زائغتين، كان الحصان عينه يموت، وتنفتح عيناه السوداوان الرائعتان بانتفاضة لحظة الموت، وتتوحدان مع عينيّ الفارس الذي تدوسه الجياد المطهمة القوية".

 وهو الشموخ الذي يحتضر، ولكن أنفاس دافئة تطلع من أعماقه فجأة "بدأت أدلّك القلب.. بدأت أدلّكه وأتحسس الدفء الذي يغمر المسافات التي ما زال يقطر منها العرق الدافئ".

هي إذن، قصص تومئ وسط الظلام الحالك إلى أفق بعيد فيه كوة صغيرة، كوة الخلاص أو فيه قبس يمكن أن يتحول إلى شمس لاهبة مطهرة.

إلا أن بروز المصير الإنساني/ مصير الجماعة واختفاء الذات من خلال تقنية الأصوات المتعددة في القصص الثلاث التي قرأتها أبو الشعر في الأمسية "رياح الخماسين الساخنة" و"الحصان" و"يمامة الروح"، واختفاء السرد بضمير الغائب في عدد آخر، لا يعني أن الذات بمنأى عن الفزع والرعب أو بعيدة عما يحدث أو أنها مجرد شاهد علي ما يجري، بل إن الذات وسط اللجة، لأن خلاصها يكمن في خلاص الجماعة.

ومن خلال ما يشيعه السرد بشكل مباشر حينا وغير مباشر في أغلب الأحيان، تشي القاصة بحركة مواربة تنفث معاناة متراكمة مزمنة، هذه المعاناة تدفعها للكتابة بحثا عن التناغم والانسجام، فتكتب وتكتب، وتصوغ صورا رمزية وأخرى سردية انسيابية تجسد الواقع وحركته وما يعتريه من خلل وتناقضات، وفي كثير من الأحيان لا تهتم بالصنعة وقواعدها وحدودها، بل تتمرد عليها، وعندما تشعر أن اللغة ـ أداتها الوحيدة ـ لم تخذلها تختبئ وراء الكلمات المشعة والصور الموحية.

ورغم الفوضى والارتباك والقتامة والفزع، تمسك أبو الشعر القلم كما يمتشق الفارس حسامه وهو يتهيأ للمعركة الفاصلة، كأن الكتابة هي فعل الكينونة الوحيد، ربما الأخير، وكأنها -من خلال الكتابةـ تعجن العالم وتعيد تشكيله وترتيبه، لكن الصدى يأتي باهتا، صدى تغيير العالم وإعادة ترتيبه ـ فتستفحل مشاعر الحزن والألم والفزع وتمتزج بالغضب والتمرد، فتتموج معاناتها وتنداح، حتى تغرق العالم، لكنها ما تلبث أن تنظر إلى الأفق البعيد فتلوح لها شمعة أو ذبالة شمعة، فتمتشق قلمها/ حسامها من جديد وتعاود الكتابة، فالكتابة ليست للمتعة الخالصة، إنها أداة مهمة من أدوات البحث عن عالم أفضل.

وأبو الشعر، الحاصلة على البكالوريوس والماجستير والدكتوراه من الجامعة الأردنية، كتبت الشعر في وقت مبكر، ونشرت إنتاجها في صحف محلية وعربية، شاركت أثناء دراستها في الجامعة الأردنية، بالعديد من الأمسيات الشعرية، ثم انتقلت للمشاركة في أمسيات شعرية في نادي خريجي الجامعة الأردنية، جامعة اليرموك، نادي أسرة القلم، نادي الشبيبة المسيحي، نادي دير اللاتين، وجمعية اليرموك في الزرقاء.

منذ انتسابها إلى رابطة الكتاب الأردنيين، انتقلت إلى كتابة القصة القصيرة، وتخصصت بها، ونشرت إنتاجها في مجلات وصحف أردنية وعربية، وشاركت في العشرات من الأمسيات القصصية والمحاضرات حول القصة.

إضافة إلى أعمالها الكاملة التي صدرت عن البنك الأهلي (2006)، فإن لها عشرات الكتب، من تأليفها، أو بالاشتراك مع آخرين، أبرزها: حركة المختار بن أبي عبيد الثقفي في الكوفة، إربد وجوارها، دراسات في مصادر تاريخ العرب الحديث (محررة ومشاركة)، بناء الدولة العربية الحديثة (محررة ومشاركة)، الكتاب التذكاري للراحل سيد مقبول أحمد (محررة ومشاركة)، تاريخ شرقي الأردن في العهد العثماني (1516-1918)، الرواية في الأردن (محررة ومشاركة)، فن المقالة في الأردن (محررة ومشاركة)، سجلات الأراضي في الأردن (1876 - 1960)، الدولة العثمانية بدايات ونهايات (محررة ومشاركة) سلسلة الوثائق الهاشمية (عضو مشارك).

حصلت على جائزة اليونسكو الفضية، عن حلقات من ذاكرة الوطن التي نُشرت تباعاً في صحيفة الرأي الأردنية (18/5/1999 - 25/10/2000)، وعلى جائزة أحسن كتاب صدر سنة 2002، مقدمة من جامعة فيلادلفيا في كانون الثاني 2003، عن كتابها شرقي الأردن في العهد العثماني . تُرجم لها محاضرة العرب والعثمانيون إلى اللغة التركية، ونُشرت في كتيب العام 2003، وقصص قصيرة إلى اللغتين الإنجليزية والفرنسية.

ومن مجموعاتها القصصية: "شقوق في كف خضرة"، "المجابهة"، عندما تصبح الذاكرة وطناً"، "الوشم"، "الحصان"، "قصص أخيرة"، ولها إلى ذلك عدد من النصوص غير المؤطرة بحقل أدبي بعينه، ومنها: "عندما تركض طيور النورس في دمي"، "الفرح الذي يدق في قلبي"، "اعتراف" و"رومانسية" وغيرها.

التعليق