"جواز سفر": تظاهرة فنية في ذكرى ميلاد الشاعر الراحل درويش

تم نشره في الخميس 12 آذار / مارس 2009. 09:00 صباحاً
  • "جواز سفر": تظاهرة فنية في ذكرى ميلاد الشاعر الراحل درويش

تشكيليون فلسطينيون يهمسون في دارة الفنون برائحة اللون ويطوقون بالحب صاحب "حالة حصار"

غسان مفاضلة

عمان- صياغة أخرى لشكل الحب صاغها 27 فناناً فلسطينياً في ذكرى ميلاد الشاعر الراحل محمود درويش، ملتفتين لحجم الهوة التي خلّفتها "حالة غياب" الشاعر بعد أن تبناها قسراً حين ألحّ الموت عليه، ليواجهه أخيراً بنبل فارس ظل يردد "خضراء أرض قصيدتي خضراء".

وتعبر التظاهرة، التي نظمتها مؤسسة خالد شومان، ومسرح البلد وجاليري المحطة في رام الله مساء أمس بدارة الفنون، عن حجم المساحة الشعرية التي يحتلها محمود درويش، وعن المساحة الوجدانية التي تشكلت واتسعت بغيابه عند متذوقيه ومحبيه.

ويشارك في المعرض، الذي توزعت أعماله ما بين الرسم والنحت والجرافيك، كل من الفنانين: إبراهيم نوباني، وأحمد كنعان، وأيمن حلبي، وبشار الحروب، وتيسير بركات، وجواد إبراهيم، وحسني رضوان، وحمادة مداح، وخالد حوراني، ودينا غزال، ورأفت أسعد، ورنا بشارة، وزهدي قادري، وطالب دويك، وسليمان منصور، وسنا بشارة، وعبدالرحمن المزين، وعصمت أسعد، وفيرا تماري، وفاتن نسطاس، وفهد حلبي، ومحمد صالح خليل، ومنذر جوابرة، ومحمد أبو ستة، ونبيل عناني، ونائل قادري، ونهاد ضابيط.

يصيغ التشكيليون في معرضهم "جواز سفر" خطاباً يستلهم الروح الشعرية عند درويش بمفردات بصرية تتنافح مع التجربة الدرويشية من دون أن تستلب لها على شكل الترجمة أو التوضيح، بل موازية لمناخها الثري وفق تجربة كل فنان ورؤيته الخاصة التي تتشاكل مع المعطيات البصرية في أشعار درويش.

ولا تهدف أعمال المعرض إلى تمثل حال التطابق بين التصور الشعري وانزياحاته البصرية في نصوص درويش، وبين الصورة المرئية وتمثيلاتها الذهنية على سطح اللوحة، بقدر ما تحاول الاحتفاظ بمساحة مفتوحة على حدود الترسيم البصري والتأويل الشعري بين القصيدة واللوحة.

وتقترب النصوص المرفقة بالأعمال التشكيلية من حالة الهمس التي يقتنصها الفنان أثناء لحظة إبداعه وعلاقته الخاصة التي تربطه بالشاعر وشعره، لتشكل بذلك مفتاحا لعملية التذوق البصري للعمل الفني توازي بدورها التذوق اللغوي عند درويش شعراً ونثراً.

وتستخلص من خلال التفقد البصري لأعمال المعرض الحالة الخاصة التي تعامل معها بض الفنانين مع مرحلة درويش الأكثر تبصرا في معنى الوجود، وهي مرحلة "البياض" الحالة الـ ما بين الموت والحياة التي عاشها درويش في إحدى حالات مرضه والتي انبثقت منها قصيدته المعروفة "الجدارية".

لم يجد التشكيليون صعوبة في تعاملهم مع منتجات درويش الشعرية، لأن الشاعر نفسه كما يقول عصمت الأسعد "زج وبكثافة ثنايا قصائدة بنفحات خاصة تتعاطى مع الصورة الشعرية المعاصرة بغنى ملحوظ، لتكون بعد ذلك صورة تشكيلية طازجة يتبناها الفنانون في أعمالهم، أو أن تكون بمثابة دافع لموازاة هذه الصورة الدرويشية التي صاغها بخبرة العارف المجرب".

والمتابع لنصوص درويش يلاحظ الانزياحات البصرية المصاحبة لجملته الشعرية، وهو يعتمد بشكل أساسي على الخرق الدلالي لتركيب ومفردات لا تلتقي في العرف اللغوي, كتلوين غير الملون, أو اتباع كلمة بأخرى لا تتصاحب معها سوى في العرف الشعري.

ويعتمد درويش على الألوان في تشكيل الصورة الشعرية, ويركز بشكل رئيسي على اللون الأزرق الذي جاء في مقدمة الألوان وفي تراكيب انزياحية, كما في قوله:"الرعشة الزرقاء بكماء"، و"هل خندق الضحكات تاريخ أم التابوت وجه حقيقتي الأزرق".

يشكل المعرض رؤيا جمعية تحتشد وتطل على حجم الحب المحتضن للشاعر الذي صاغ بشعره رؤية جديدة للإبداع، وردّ اعتبار ما يعرف بالصورة الفنية التي توالدت من جديد وعلى نحو إبداعي آخر في أعمال معرض "جواز سفر"، لتساير بثراء تعبيري إبداعات الشاعر الذي "لا نرثيه بقدر ما نحتفي بولادة جديدة له مع كل قراءة جديدة لقصيدته".

التعليق