العائلات وحدها هي التي تكترث

تم نشره في السبت 28 شباط / فبراير 2009. 09:00 صباحاً
  • العائلات وحدها هي التي تكترث

27-2

ناحوم برنيع

يديعوت

"هيا تعالوا" هكذا خاطب رئيس مجلس حاتصور شمعون سويسا مجموعة العمال المضربين في ساحة مصنع "بيري جليل". نهض حوالي ثلاثين شخصا من فوق قطعة العشب الاخضر الصغيرة عند مدخل المصنع وساروا من وراء سويسا نحو الشاحنة التي كانت متوقفة في الجوار. وكانت "جمعية مئير بانيم" الاصولية التي تمتلك مقر اعانة في حاتصور هي التي ارسلت الشاحنة. وكان في الشاحنة طعام. وعندما سألت موتي افلالو عضو الجمعية في حاتصور، ما هو الطعام الموجود في العلب؟ قالوا لها: "لدينا اليوم بالصدفة مفتول واجنحة دجاج وخضروات وخبز".

في مركز الإعانة في حاتصور يأكل في كل يوم مئة وعشرون شخصا. افلالو تذكرهم: عاطلون عن العمل، مسنون، مدمنون. كل واحد يدفع شاكلين بصورة رمزية مقابل الوجبة حتى يدركوا انها ليست مجانية.

يقرب العمال من الشاحنة ويرجعون للوراء قائلين "لا نريد". "لقد اكلنا وليست لدينا رغبة". ليس الشبع هو الذي ابعدهم عن الطعام وانما الاعتزاز بالنفس. وتقول افلالو: "هم يخجلون".

ليست هناك صلة بين مشكلة مصنع "بيري جليل" وبين الازمة الاقتصادية العالمية. فهذا المصنع، خلافا للمصانع الاخرى، يتمتع بارباح كبيرة. لكن المشكلة هي ادارته الفاشلة واصحابه المثيرون للمشاكل والتورط المزمن في الديون. في العام 2004 حصل المصنع على عشرة ملايين شيكل من وزارة الصناعة والتجارة باعتباره مصنعا في ضائقة. وكانت البنوك سخية بصورة استثنائية ومنحت الاعتمادات. وكان السياسي المتقاعد ابراهام بورغ رئيسا للشركة واحد مالكيها. ويعتبر بورغ جيد جدا في التوضيح والدعاية. ففي السنوات الاخيرة اوضح للشعوب في الغرب وبمهارة كبيرة مدى فشل دولة اسرائيل والى اي حد تعجز عن أداء المهمة التي اعطيت لها. حتى انه الف كتابا دفن فيه المشروع الصهيوني.

وفي هذه الاثناء دفن المصنع الذي رهن نفسه لادارته. ومعه دفن الابراج، واعضاء الكيبوتسات والقرى التعاونية والموردين والعمال. ويعتبر "بيري جليل" المشغل الاكبر في هاتصور الجليلية واكبر مشغل للبلدة البدوية القريبة كوبا الزنجرية.

يدين هذا المصنع لبنك لئومي بـ170 مليون شيكل وديسكونت بمئة مليون شيكل اخرى. وقد توجهت البنوك إلى للمحكمة وطلبت تعيين مخمن. وأدرك اصحاب المصنع بورغ وشركاؤه ايفيف الغور وايلان ديفيس انها حرب لكسب الرأي العام. فاستأجروا مكتبا للعلاقات العامة نجح في توجيه النار بعيدا عن اخفاقات اصحاب المصنع نحو اخفاق الحكومة. ونجح بورغ الذي تسبب في فشل المصنع أن يلزم الحكومة بان تدفع.

الكثيرون من اصحاب البدلات حصلوا على رزقهم من هذه الحكاية: اولئك الذين اشتروا واولئك الذين سيشترون. البنوك التي اعطت الاعتمادات من دون حساب ونشطاء الهستدروت والسياسيون والمسؤولون في الدولة والمحامون الذين سيمثلون كل الاطراف ومجموعات الضغط والمحرضون المحترفون والعاملون في العلاقات العامة. المزارعون والعمال هم وحدهم الذين سيدفعون الثمن من خلال فقدان وظائفهم وتحمل الديون التي لن تدفع.

بضغط من العمال، اجلت المحكمة تعيين المخمنين حسب طلب البنوك عشرة ايام. وهم اعتبروا ذلك انتصارا وعادوا الى خطوط الانتاج. ولكن المخمن سيعين والمصنع قد يغلق الا ان كان هناك الكثير من الحظ وربما سينتهي المطاف بالاغلاق التام للمصنع ومثله مصانع اخرى وربما حتى بعض البنوك. بينما سيظهر بورغ امام مؤتمر مهم في قصر فسيح في مكان ما من جنبات اوروبا ويقول بصوت عال بان الصهيونية قد انتهت، والعائلات التي ستفقد مصدر رزقها هي وحدها التي ستكترث وتهتم لأن العائلات وحدها هي التي تهتم في اخر المطاف.

أيام بنيامينا

مستشار حملة افيغدور ليبرمان، ارتور فينكلشتاين، حدث صديقا اسرائيليا عن كيفية ولادة حملة "من دون ولاء لا مواطنة" التي حولت قائمة ليبرمان الى الكتلة الثالثة من حيث الحجم في الكنيست: وجلس قبالة التلفاز في منزله في اميركا. نشرات الانباء تحدثت عن عملية "الرصاص المصهور". في سياق ذلك اظهروا مظاهرة للعرب والاسرائيليين ضد العملية بمشاركة اعضاء كنيست من العرب. الملك ارتور سأل عما يقوله اليهود حول ذلك وطلب القيام باستطلاع. أظهر الاستطلاع ان اليهود غاضبون. وهكذا تحول احتجاج من اللاشيء، خصوصا بالمقارنة مع اعمال الشغب العنيفة في الشوارع في تشرين الاول (أكتوبر) 2000 الى برهان أكيد على خيانية الوسط العربي – كل ذلك بفضل عدة صور مضللة في قناة تلفزيونية اميركية.

ليبرمان هو رجل نزوات وعبد للافكار والجن الذين يتراكضون في نفسه ومخاوفه الحقيقية من تحقيقات الشرطة. وهو يقوم بحزم الحقائب بسهولة ويغادر بسهولة. ومشكلة ليبرمان ليست الشعارات الديماغوجية التي بثها خلال المعركة الانتخابية. بل افتقاده للاستقرار. فالنواب الاربعة عشر الذين ادخلهم للكنيست يعتمدون كليا على نزواته، وليست هناك تقاليد لحزبه ولا مؤسسات حقيقية ولا قواعد للعبة. لا يمكن لاحد ان يتوقع ما سيحدث ان قدمت ضده لائحة اتهام.

يحذروننا من اليوم التالي للانتخابات بأن الحكومة الضيقة هي مصيبة: هذه امور تافهة. الائتلاف الذي يقوم على 65 عضو كنيست ليس ضيقا وهو قريب جدا من الرقم الامثل: 67 عضوا. بعد هذا الرقم يمكن لاعضاء الائتلاف ان يخونوا الحكومة. فحكومة رابين الثانية التي قامت في عام 1992 حتى اغتياله في 95 اعتبرت من اكثر الحكومات فعالية وعطاء خلال تاريخ الدولة. وكان في ائتلافها يتكون من 62 عضوا فقط.

نتنياهو ليس بحاجة الى 28 عضو كنيست من كاديما حتى يحقق الاغلبية في الكنيست. هو بحاجة لهم لاربعة اسباب: الحصول على الشرعية من العالم، وتخفيف الارتياب نحوه من قبل ما يسمى "النخب القديمة" – المحاكم، والمؤسسات الاكاديمية، ووسائل الاعلام، وحتى يموضع نفسه في وسط الحكومة وليس في طرفها اليساري واخيرا حتى يخلص نفسه من صرعات ليبرمان ومن ضغوط الاحزاب الاصولية.

روبي ريبلين عاد لتكرار تذمره في هذا الاسبوع من انهم يقومون بنزع شرعية حكومة اليمين مرة اخرى. لكن الرجل المهم الوحيد الذي ينزع الشرعية عن حكومة اليمين هو بنيامين نتنياهو. فهو مثل ميري بوبينس بحاجة لملعقة السكر المسماة كاديما حتى يبتلع حبة الدواء.

دولاب ضخم

من المفترض ان تبلغ تسيبي ليفني نتنياهو نهائيا بأنها لن تنضم هي وحزبها للحكومة. نتنياهو على قناعة ان رفضها ليس ايديولوجيا وإنما نابع من الجبروت: ان تلفظ فقط بكلمة "تناوب" ستقفز بسرعة فوق عربة الحكومة كائنة ما كانت خطوطها البرنامجية الاساسية.

مطلب ليفني بأن تصرح الحكومة القادمة عن انها ستجري المفاوضات الهادفة الى اقامة دولة فلسطينية بلا اساس في نظره، فالفلسطينيون ليسوا ناضجين الآن لتسوية شاملة ولا الاسرائيليين ايضا.  

ان لم تكن هناك فرصة للتسوية فما الذي يضير نتنياهو ان قال انه مع الدولتين؟ هو يخشى مما سيقوله جناحه اليميني، بني بيغن وريبلين وغيرهم، وهو يخشى من الاحزاب الاخرى في الجناح اليميني. وفي المقابل فإن ليفني لن تحقق تسوية مع الفلسطينيين، ولكنها ستدق اسفينا في معسكر اليمين في الوقت الحالي.

هناك قدر غير قليل من المنطق في افتراضي نتنياهو: التناوب قد يقنع لفني بالدخول، واحتمالية التوصل الى تسوية شاملة مع الفلسطينيين صغيرة حتى معدومة. لكن ما يرفض نتيناهو قبوله هو القول بان ليفني سياسية من طراز آخر. في هذه المرحلة من مسيرتها السياسية هي ليست مهتمة كثيرا بالسلطان والجاه فهي في الخمسين من عمرها فقط. وبامكان السلطان ان ينتظرها. وان لم يتيحوا لها التاثير فعليا على السياسة فستتوجه للمعارضة.

شارون اعتاد القول بان السياسة هي دولاب ضخم تكون فيه في الاعلى احيانا وتعود للاسفل في احيان اخرى، ولكنك تبقى على الدولاب دائما. وبيريز يفكر بنفس الطريقة وقد قال لليفني "فلتكافحي من الداخل"، وركز على كلمة "من الداخل".

شارون كان لينضم لحكومة نتنياهو خلال يوم ومثله بيريز والأغلبية الحاسمة من كاديما ان لم نقل كلهم. الامر المثير الذي حدث في كاديما منذ الانتخابات هو ان احدا لم يتجرأ على التمرد على ليفني رغم المعارضة لتحركاتها. ولا حتى شاؤول موفاز الوحيد الذي كان ليرتقي بمنصبه للاعلى في منصب وزير الحرب لو ان ليفني وافقت على الانضمام.

قسم منهم يخشون تحديد رأيهم، والقسم الاخر في حيرة والثالث في خوف من ان تنساه ليفني ان دخل حزب كاديما إلى الحكومة. ويشير صمتهم الى قوة الانجاز الشخصي الذي حققته ليفني في حملتها الانتخابية. وهم يدينون لها بعضويتهم في الكنيست.

هل سيعطي التوجه نحو المعارضة لليفني رئاسة الحكومة؟ ليس بالتأكيد. احد قادة كاديما قال لي ان الحزب قد استنفد في هذه الانتخابات كل ما يمكنه ان يجلبه من اليسار. وبعض الناخبين توقفوا في محطة كاديما مؤقتا وفي المستقبل سيعودون للعمل او لميرتس، بينما يؤدي الجلوس في المعارضة إلى دفع ليفني وكاديما لليسار حيث لا يوجد مستقبل هناك.

تقول ليفني: ان دخلنا للحكومة سنخسر اصوات اليسار وكذلك اصوات اليمين. سنصبح لا شيء. اختباري ليس في اليسار او في اليمين وانما في المصداقية. وعدت الناخبين بشيء ما وانا لا استطيع ان اخونهم.

على اي حال، نتنياهو حسب رأيها غارق عميقا في الخطاب اليميني حيث لا يوجد شيء يمكن الحديث عنه. ومن لا يستطيع ان يقول عبارة "دولتين لشعبين" لا يمكنه ان يكون شريكا.

الجدل مشروع. ولكن هناك تعليلا واحدا فيه يجدر رفضه مباشرة، وهو التذرع بأن الحسم مع ايران يقترب ولذلك من المحظور التفريط به بيد حكومة يمينية ضيقة. من فرض موعد انفراط الحكومة الحالية كان ايهود باراك. وهو كان يعرف عن المسألة الايرانية حينئذ. ومن يطرحها اليوم ربما بالكاد يشبه ذلك الفتى الذي قتل والديه ومن ثم صرخ انقذوني انا يتيم.

التعليق