الردع لم يتحقق وحماس تستأنف إطلاق النار من القطاع نحو الجنوب

تم نشره في السبت 28 شباط / فبراير 2009. 10:00 صباحاً

27-2

عاموس هرئيل وآفي يسسخروف

هآرتس

الصواريخ الثلاثة التي سقطت امس (الخميس) في بلدات محيط غزة، وأصاب أحدها ساحة بيت في سديروت، ذكرت بان اسرائيل لا تزال بعيدة عن هدفها المعلن الذي من أجله انطلقت الى حملة "رصاص مصهور" قبل شهرين بالضبط. هذا الصباح (أمس) ايضا بعد 40 يوما من نهاية الحملة، لم يستقر بعد "واقع امني جديد" ومحسن على حدود القطاع.

النقاش في نتائج "رصاص مصهور" يتركز في نهاية المطاف في ذات المفهوم الذي يصعب تعريفه: الردع. اذا ما نجحت اسرائيل في ادراجه في تسوية، او فشل التعبير الشعبي الان "الترتيب" (بمعنى، استقرار الوضع بدون اتفاق)، الذي يمنع نار الصواريخ على النقب لفترة طويلة ما يؤدي إلى بقاء الحملة في الذاكرة الشعبية كنجاح. ولكن اذا كان الأمر، مثلما يتعاظم التخوف مؤخرا، أن آثار الانجازات العسكرية ستتضاءل والقتال سيستأنف بقوة، فستذكر احداث الشهر الماضي كجولة اخرى، غير ناجحة على نحو خاص، في الحرب الطويلة والمستمرة ضد غزة.

من ناحية الجيش الاسرائيلي، هذا واقع محبط على نحو خاص، وذلك لانه قبل اربعين يوما كان التوقع اكثر تفاؤلا بكثير. فقد خرج الجيش من غزة بإحساس انه اثبت نفسه في اختبار ترميم قدرته التي ظهرت متردية في لبنان في صيف 2006. وفي الحقيقة او في الجيش بمهامه واحتل المناطق التي اعتزم احتلالها، مع خسائر قليلة، ساهمت في الاحاديث عن النصر. ولكن يبدو أن السطر الاخير يحتاج الى الانتظار. في لبنان ايضا، كما يجدر بالذكر، مرت أشهر عديدة قبل ان يتضح انه حتى عندما فشل الجيش الاسرائيلي، ارتدع حزب الله بما فيه الكفاية كي يمتنع عن استئناف اطلاق النار.

يمكن، مثلما هو الحال دوما، اتهام السياسيين بكل ذلك: الجيش الإسرائيلي وفر الانجازات في الميدان، والحكومة لم تعرف كيف تترجمها الى تسوية سياسية ملزمة. ولا ريب ان الربط بين الخطوة العسكرية والسياسية في غزة عانى من النقص. فايهود باراك، الذي يذهل بتحليل ما تشوش في حرب لبنان الثانية، جر في هذه النقطة خلف رفيقيه في الثلاثية ايهود اولمرت وتسيبي ليفني. اسرائيل تريثت في التفاصيل وانسحبت اخيرا من غزة دون تسوية حقيقية.

ولكن هناك تفسير آخر ايضا: مثلما في لبنان، كان لاسرائيل في غزة امكانيتا عمل – الاكتفاء بالخطوة الجوية الكبيرة يوم السبت 27 كانون الاول (يناير)، والإعلان عن انتهاء القتال بينما تكون حماس ما تزال في صدمة، او ممارسة المزيد من القوة، بسرعة اكبر بكثير، للوصول الى انجاز بري ذي مغزى. ومثلما في لبنان، اختارت الطريق الوسط، الذي يتدحرج ببطء نحو احتلال جزئي نتائجه محدودة وعندئذ تنسحب، في ضوء نفاد صبر الاسرة الدولية.

ولما كان الخصم في غزة أقل تصميما منه في لبنان وتفادى المواجهات، بدت الخطوة في البداية كانتصار كبير. وفقط عندما خرج الجيش الاسرائيلي، تبين أن النتائج محدودة. وقت انجلت الصورة في الاسبوع الماضي، مع تنقيط صواريخ القسام، وحوادث شبه يومية على مقربة من الجدار الفاصل وتقارير استخبارية عن استئناف تهريب السلاح.

من الجهة الاخرى، توجد مفارقة في مكانة حماس: الضربة العسكرية القاسية التي تلقتها بالذات رفعت التعاطف مع الحركة الى الذروة، حسب استطلاعات الرأي العام في المناطق. لكن مشكلة حماس تكمن في صعوبة الحفاظ على  هذا الإنجاز طويلا، فالجمهور في غزة ينتظر تنفيذ وعد الحركة باعادة فتح المعابر. وهذا لن يحصل، وذلك ايضا لان اسرائيل عادت وربطت رفع الحصار بتحرير جلعاد شاليط. في هذه اللحظة، تبدو انجازات الحملة التي تتباهى بها حماس نظرية فقط. فالمعابر مغلقة، والوضع الاقتصادي يزداد صعوبة وقد تم حفر نحو 1.300 قبر جديد لضحايا القتال. كما أن مصر لا تسارع الى فتح معبر رفح. ولذا، وانطلاقا من الامل بالشروع في تحريك رفع الحصار، على الاقل في رفح، وافقت حماس هذا الاسبوع على استئناف محادثات المصالحة الوطنية مع فتح، بوساطة مصرية.

ما تزال حماس تأمل بان تسجل في صالحها نجاحا آخر، فإذا ما تحققت صفقة شاليط، سيتم  تحرير اكثر من الف سجين فلسطيني بينهم مئات القتلة، وستعرض الحركة هذا التحرير كدليل على انتصارها في القتال. ولكن هذا بالضبط هو السبب الذي يمنع رئيس الوزراء اولمرت من اتمام الصفقة. وفي الاسابيع المتبقية حتى استبدال اولمرت ببنيامين نتنياهو، سيحاول كل طرف جذب الخصم الى النقطة التي يتراجع فيها هو اولا.

 

صورة مرحلية مشجعة؟

في هذه الأيام يقوم الجيش الاسرائيلي بإتمام التحقيقات حول القتال في القطاع. وتبدو الصورة الاولية من التحقيقات مشجعة للغاية، ففي جوانب مهمة، قيمية ومهنية، طرأ تحسن بارز. وقد تطورت روح القتال، القيادة والتحكم في الوحدات، الاسناد الجوي للقوات البرية، نوعية المعلومات الاستخبارية التي زودت بها الوحدات، والنقليات مقارنة مع ما حدث في حرب لبنان.

مع ذلك فإن هذا هو المكان لطرح ملاحظتي تحفظ: الاولى، ليس مقبولا من الجيش ان يخطىء بالنسبة للجولة القادمة، سواء جرت في غزة أم في لبنان. ففي المرة القادمة سيكون الامر اصعب بكثير، وذلك لان حماس ايضا ستستخلص الاستنتاجات من اخطائها بسرعة. والملاحظة الثانية هي أن الجيش الاسرائيلي يمتنع عن بحث معمق في المشاكل الاخلاقية العسيرة التي اثارها القتال في منطقة مبنية بكثافة، في ظل قتل مدنيين كثيرين وهدم مكثف للمنازل، فالوضع في هذا المجال اخطر مما يسعى الجيش الى عرضه. وإذا لم تتحدد حدود المسموح والمحظور بوضوح، فان هذه الظواهر ستتكرر في المرات التالية ايضا.

التعليق