شهود من غزة: الجيش الإسرائيلي استخدمنا دروعا بشرية

تم نشره في السبت 21 شباط / فبراير 2009. 10:00 صباحاً
  • شهود من غزة: الجيش الإسرائيلي استخدمنا دروعا بشرية

20-2

عميرة هاس

هارتس

على سؤال "من هناك؟" جاء الرد: "جيش الدفاع الاسرائيلي". مجدي عبد ربه البالغ من العمر 39 عاما ضابط في المخابرات الفلسطينية في سلطة رام الله، ويقطن في حي عزبة عبد ربه شرقي جباليا في غزة، سمع الرد ونزل لفتح الباب. ليجد ابن الجيران محمود ظاهر واقفا ووراءه جندي، يغرز فوهة بندقيته في ظهره. ازاح الجندي محمود حينئذ وصوب بندقيته نحو مجدي.

قال مجدي "أمرني ان اخلع بنطالي ففعلت. وطالبني بأن ارفع قميصي للأعلى فرفعت. طلب مني ان استدير فاستدرت" وعندئذ امتلأت الغرفة بالجنود. "12 جنديا تقريبا".

حدث هذا في يوم الاثنين الخامس من كانون الثاني (ديسمبر) بين التاسعة والنصف والعاشرة صباحا، بعد بدء الهجوم البري الاسرائيلي على غزة بـ40 ساعة. وكان الجنود تموضعوا في بيت ظاهر في مساء يوم الاحد، وذلك بعد أن جمعوا ابناء العائلة في الطابق الارضي. وقد سمع صوت إطلاق الرصاص على الجدران. وبعد ذلك طلبوا منهم الصعود الى الطابق الاول. وتساءل ابناء العائلة: لماذا فعل الجنود ذلك وأجبروا الاب والام والاولاد وطفلين وجدة عجوزا على الانتقال إلى غرفة باردة وغير مريحة؟ ولم تستطيع العائلة رفض الامر. حينئذ لم يكونوا يعرفون بعد ان الانتقال للطابق الاول يقربهم من مدى النيران. وفي وقت لاحق ادركوا ان ثلاثة مقاتلين من عز الدين القسام كانوا يتواجدون في البيت الفارغ من الجهة الشمالية الشرقية وهو البيت الذي يعود للجار ابو حاتم الذي سافر وعائلته منذ زمن. وكان منزل مجدي عبد ربه المرتفع ملاصقا لمنزل ابو حاتم الضيق.

قبل ذلك في السابعة تقريبا من صبيحة يوم الاثنين اخرج الجنود من المنزل شفيق ظاهر الذي يبلغ من العمر 53 عاما ويعمل مديرا ماليا ويتلقى راتبه من رام الله هو وابناءه الثلاثة. هنا انفصل الاب وابناؤه عن بعضهم البعض. فقد أخذ الجنود شفيق ظاهر الى منزل الجار جبر زيدان من الناحية الشرقية، وكان الباب مفتوحا، وكان الجيران متزاحمين في غرفة واحدة. ومثلما حدث في اربعة بيوت اخرى طلب منه ان يدخل اليها في ذلك اليوم كان شفيق ظاهر يسير في الامام والجنود من ورائه. وكان احد الجنود يصوب بندقيته الى كتفه اليمنى ويضغط بإصبع يده الثانية على يده اليسرى. دخلوا كل غرفة وكل طابق، ثم جمعوا ابناء عائلة زيدان في المنزل المجاور من الناحية الشرقية وهو المنزل الذي يعود الى توفيق كاتري. وجرى تقييد الرجال والفتيان من 14 حتى 16.

وكان الجنود سيطروا على منزل كاتري في مساء يوم الاحد الرابع من كانون الثاني (ديسمبر). وقد تم جمع الموجودين في البيت في الطابق السفلي وكانت النيران تطلق من حولهم طوال الوقت. وفي احد الطوابق العلوية تموضع الجنود وحولوا النافذة الشمالية الشرقية – القريبة من منزل ابو حاتم الى منصة لإطلاق النار. وقال أبناء العائلة: "كان هناك جندي طيب واحد قال لنا ان المكان الذي نجلس فيه خطير وازاحنا نحو الداخل".

جمال خائف

قرابة الساعة التاسعة من صباح يوم الاثنين اقتاد الجنود الابن جمال من منزل عائلة كاتري. وخلال الايام الاربعة التالية تجول جمال هذا مع الجنود وأدى عدة مهمات: طلبوا منه ان يدخل قبلهم الى المنازل وان ينادي اصحابها للنزول للأسفل. ويقدر جمال المنازل التي دخلها بعشرة بيوت. كما انه سار امام الجرافة العسكرية العملاقة التي كانت تتجول في الحي لتدمر الطرقات. قال جمال للجندي "انا خائف من ان يقوم الجنود بإطلاق النار علي"  فرد الاخير "لا تخف".

في هذه الاثناء، في يوم الاثنين صباحا واصل ظاهر اداء مهمات الحماية التي كلف بها لحماية جنود جيش الدفاع الاسرائيلي. ولم يكن يعرف ان ولديه يتجولان في الوقت ذاته مع مجموعتين اخريين من الجنود ويقومان بفتح ثغرات في جدران المنازل بواسطة المطارق الثقيلة التي اعطيت لهما. وهو ايضا لم يعرف ان جنديا كان في الوقت ذاته يصوب بندقيته بظهر ابنه الثالث قبالة بوابة مجدي عبد ربه كما اسلفنا.

مجدي نفسه، وبعد ان طولب بفتح ثغرة في الجدار الفاصل بين سطحه وسطح الجيران، طولب بفتح ثغرات اخرى في عدة منازل مجاورة للمسجد، واقتحام السيارة المجاورة وتفتيش منزل زيدان، وحينئذ جلب لمنزل عائلة كاتري حيث قابل شفيق ظاهر هناك وقال له ان ابنه بخير.

طولب بالانصياع

في الساعة الثانية ظهرا اقتاده جندي نحو الخارج واشار الى منزل ابو حاتم وقال له: "في هذا البيت مسلحون. لقد قتلناهم، فلتنزع ملابسهم ولتأخذ سلاحهم". في البداية رفض الامر وقال ان هذا ليس عمله. فقالوا له: "يجب أن تنصاع للاوامر". وقد انصاع ونزل الى منزل ابي حاتم من منزله صارخا بالعربية انه صاحب البيت. ووجد ثلاثة مسلحين احياء من عز الدين القسام، فطلبوا منه ان لا يعود اليهم "لأننا سنطلق النار عليك".

عاد إلى الجنود، وطلب منه ان ينزع ملابسه وان يستدير، وحينئذ قال لهم ان الثلاثة احياء. فوجئ الضابط بالأمر واراد معرفة هويته فاكتشف انه من المخابرات الفلسطينية التابعة لابو مازن، وحينئذ قيدوه ووضعوه جانبا وسمع اطلاق للنار، فأرسلوه مرة اخرى للتأكد مع نفس التهديدات ونفس الوعود بأن الثلاثة قد قتلوا الآن. وقد وجد ان احدهم قد اصيب وان الاثنين الآخرين على ما يرام. وقال له احد مقاتلي حماس: "قل للضابط انه ان كان رجلا فليصعد الينا".

لم يشعر الجنود بالرضا مما سمعوه. فأخذ احدهم يشتم، وقيدوه مرة اخرى ووضعوه جانبا. ثم بدأ الظلام يخيم وسمع صوت مروحية وصوت صاروخ ينفجر، فقال له الجندي: لقد قتلناهم الآن بالصاروخ هيا. ذهب ورأى ان الصاروخ قد اصاب منزله المجاور. قال مجدي عبد ربه "الصاروخ اصاب منزلي انا" وكل شيء قد تحطم هناك: المياه تسيل والاسمنت يتدحرج ومن حوله اطلاق نار لا يتوقف "ليس طبيعيا" واصوات انفجارات كثيرة وصوت مروحية وانفجارات.

تعرى مرة أخرى

عندما طُلب من مجدي ان يتحقق مرة ثالثة من قتل عناصر القسام، كان الظلام قد خيم. فأضاء الجنود له الطريق وعندئذ اكتشف أن اثنين من المسلحين تحت الانقاض والثالث يمسك السلاح بيده. حدث هذا الامر قرابة منتصف الليل بين يومي الاثنين والثلاثاء وعاد للجنود وتعرى مرة اخرى واستدار ليقول لهم بأن الثلاثة احياء. سألوه: "انت مجنون؟". رد عليهم: "لا انا لست مجنونا، انا اقول لكم ما رأيته". وكان مجدي جائعا عطشان عندما اعيد الى منزل عائلة الكاتري.

في الساعة السادسة والنصف صباحا اقتادوه مرة اخرى نحو الخارج، وفي المنطقة المقابلة كان هناك ما كان بيته في ماضي الايام. جلب الجنود مكبر صوت وبدأوا يصرخون كما يقول: يا مسلحين امامكم 15 دقيقة لتسليم انفسكم فلتنزلوا وتخلعوا ملابسكم، الصليب الاحمر، والصحافة هنا، ونحن سنعالج الجريح. ثم أرسل الجنود كلبا إلى المنزل المدمر، فأطلق احد المسلحين النار عليه وقتله. وشرع الجنود مرة اخرى بالصراخ مطالبين اياهم ان يخرجوا من المنزل. لكن الرد لم يأتِ. ويقول مجدي: "حينئذ جاءت جرافة وتوجهت نحو البيت لتبدأ في هدمه امام عيني".

أعاده الجنود الى منزل الكاتري عندما بدأت الجرافة بتدمير منزل ابو حاتم. وكان هناك اطلاق للنار وعندما اخرج بعد ساعتين مع مجموعة اخرى من الرجال وجد اثنين من المسلحين "موضوعين على الاسمنت المهروس موتى" هو لم يشاهد الثالث. لكنه سأل نفسه "اي جيش هذا الذي لا يستطيع اقتحام منزل واحد مع مسلحين؟".

عشرون شخصا استغلوا للحماية، وقد تحدث ثمانية من سكان عزبة عبد ربه مع صحيفة هارتس وأكدوا في شهاداتهم انهم طولبوا بمرافقة الجيش الاسرائيلي في مهمات اقتحام المنازل وفتح ثغرات فيها والبحث داخلها، هذا عدا عن ابناء العائلات الذين وضعوا في المنازل خلال استخدام الجيش لمنازلهم ذاتها كمواقع لاطلاق النار او كقواعد. وهناك حوالي عشرين شخصا من السكان في عزبة عبد ربه يقولون انهم طولبوا بتنفيذ مهمات "المرافقة والحماية" المختلفة على هذا النحو الذي فصل سالفا ولفترات زمنية مختلفة بين الخامس من كانون الثاني (ديسمبر) والثاني عشر منه.

وقال الناطق بلسان الجيش الاسرائيلي ردا عن ذلك: "جيش الدفاع الاسرائيلي هو جيش اخلاقي وجنوده يتصرفون وفقا لروحية الجيش الاسرائيلي وقيمه، ونحن نقترح عليكم ان تتأكدوا جيدا من ادعاءات الجهات الفلسطينية المغرضة. قوات الجيش الاسرائيلي أمرت بصورة قاطعة بعدم الاستعانة بالسكان المدنيين في اطار القتال من اجل تحقيق اي هدف كان وخصوصا ليس كدروع بشرية. التحقق من الامر الذي جرى مع قادة القوات التي تواجدت في المنطقة المذكورة، يظهر انه لا توجد اية دلائل للحوادث التي ذكرت. كل من يحاول اتهام الجيش الاسرائيلي باعمال من هذا القبيل يتسبب باعطاء انطباع خاطىء ومضلل عن الجيش الاسرائيلي ومقاتليه، الذين يتصرفون وفقا لمقاييس اخلاقية ولمعايير القانون الدولي".

التعليق