غزة: جحيم الألوان الذي التبس علينا

تم نشره في الجمعة 20 شباط / فبراير 2009. 10:00 صباحاً
  • غزة: جحيم الألوان الذي التبس علينا

 

غازي الذيبة

.. وأدرك، أن الكلام سيبدو واهيا، مصحوبا ببرودة معانيه، ورصانتها، مشقوقا إلى نصفين، وربما إلى أنصاف أخر، تجعله لا يعني سوى ما انتظم في سياقه، في الوقت الذي تتبدد فيه تلك الغيمة القاتمة من السواد، وهي تتحول إلى الرمادي، أو تتحول من الرمادي الى السواد، وفي كلتا الحالتين، هي قاتمة، مبددة، ومبدِدة.

ولا نعلم كم هي صادقة ألوان شاشات التلفزة، في نقل هذا النوع من ألوان القتامة، حين يشغفه الموت، فينفجر، ويدمر، ويتكونن، ويخون، ويلتف ويداري، ويكذب، ويزور، ويحمل القتلة إلى مهاو لا يعرفون فيها سوى مخازيهم، المنقوشة على مسلات العار الأبدي للكون.؟

وكما لو أنه، أي اللون ذاك، صفة لوجود، يحمل في تضاعيفه ما ينبغي للوجود أن يكون عليه، وصفات يجتمع عليها قصاصو الأثر من الجواسيس والأعداء، معا.

ها هي إذن، صفة الموت المتواتر، المنحوت على مسلة لعنات أزلية، تتقدم الى ما نحن فيه، وتنطق برغبته، وتؤكد المؤكد في ثناياه. موت رجيم، لا يشبهه سوى موت الأساطير وهي تنعف ذراها في وجدان البشر، لتعيد إليهم رائحة تراجيديات، تمتحنهم العظمة والقوة والمهانة، إذ لا فرق بين هذه الاقانيم الأبدية في القيمة والمعنى، حين يدخل المرء أسطورة، ويصيرها.

وها هي قطعة من جحيم، ظل محتملا في حصاره، ومحاصرته، يبتهج رعاة الموت على أطرافه بمنازل كينونتهم المشغولة بالفولاذ وشعوذات مهندسي القهر ومبتكري مفاتن للذل والعار، على ما تقوم عليه أوتاد العهن الواقعية، وما تحتمي به من إمعان في العنَّة.

ذاك الذي يبدو خيط دخان مريض، ويتكتل ليغدو غمامة فيما تلا من موت، يموه على المقتولين وتنقله تلفزات، مدنسة، وأخرى تحاول أن تطهر لمعانها بالدم، وهو يرسم خريطة فلسطين الأزلية على كرة ملعونة منذ تكورت.

تلك إذن، في حمأة اللون الغامق، الفاقع، المزدرى، وهو يلوث أبصارنا، ومن ثم يعرج بحماقاته الدنيئة ليلوث أرواحنا، ويمنع عنا أي احتمال للولوج الى فرح ما.

يذكر الرعاة الأزليون لورق اصفر متبلد في كتب ممحوة، انتهت صلاحيتها، أن الموت يقبل على هذه القطعة المثلومة الحواف، من الأزل المكدود، المحمول على ألوان، رمادية وسوداء، تكون قاتمة في حين، ومغلولة في بهوتها في أحايين تالية.

ذلك ما قاله كتاب مشقوق الأطراف، عن فلسطين، أو ارض بيت المقدس، ولها فيما وضع الخطاطون والكتبة والمشعوذون والأنبياء والكهنة والتائهون والمعمرون، أسماء لا تحصى ولا تعد، كلها تنحني في المقدس والسلام، لكن يأبى ملوثو هواء وقتلة أنبياء، إلا ان يضعوا لها اسما، تبلله تلك الدكنة، ولا ينبئ بما هي عليه من رحمة وسعة وقلب يحتمل السمو والعذاب، ويظل على ما هو عليه إلى أن يحين الأمل في يومه، ويلوح قادما من هواء الفرح، على براق نهري.

كأن الجثث المتوقدة في ساحات هذه القطعة التي يلف بعضا من شرايين قلبها، أسوار عالية، دهمها حراس الموت والقتلة، والسياجات المستبدة بجلافة الواقع، والمزمجرة بصفارات إنذارها الوحشية على حدود، ظلت مفتوحة للطيور والفراشات التي تعبر الى أي بقعة في هذه القطعة.

وكأن لون الدم الذي انصبغ في لحظته بلونه القاني، المتدفق مثل كينونة أزلية، يصر على أن لا ينفصم عن كونه دما، ليخط على الرمل في قطعة من هذه القطعة الكريمة، مستطيلا عجيبا، غير متزن في حوافه، وبرأسه المدبب، يصبح جحيما، تتوارى في قلبه المثقب، جثامين شهداء وقديسين، ورسل طهروا ماء الأجاصة التي هي كرة أرضية عائمة على وجه الخذلان، بصرخاتهم وآهاتهم، وقليل من أعاجيب مقاومتهم الباسلة للموت.

كأنهم في حومة اللحظة التي تحدق في دمهم، ينطقون بأهواء أرواحهم الذاهبة الى ملكوتها، يصبحون نقطة واضحة في عراء الإنسان المصلوب على جناحي غيمة، ماضية إلى الأزل، مكدومة، وممزقة ومجروحة، ومن ثم يسيل خيط دم قان مؤلم ومبحوح في طريقه إلى فضاء لا نهائي، من المودة والألفة والأقمار الحزينة.

بجلال أسطوري تصطف خمس فتيات، لم يتعرفن بعد خفقات القلب وهن يذهبن بمراييلهن الى المدرسة، وثمة في اللون الباهت خلف مداميك الأسوار والسياجات التي علقها أشقاء ذبحنا لهم أبناءنا حين مروا بنا طرّاقا ذات تاريخ، ومددناهم بما ضيعوه في أزمنة غابرة من الحب، والود، والكرامة، غيمة حسيرة، شحيحة، تبكي.

الطفلات الخمس، ولا أحد يعرف أسماءهن، كتبن بدمهن في اللون الباهت على خلفية المشهد المتلفز: غزة.

هذا فصل كريم من كتاب مقدس، نطقن بفيوضاته، كان دمهن يبتسم.

كان الزمرد المصمت في أعينهن يحرك بؤبؤه في الرحابة.

ولم يكن ثمة بوابة يمكنها أن تعبر بأرواحهن إلى خارج فضاء المستطيل ذاك، سوى بوابة أغلقها أخوة لنا، تحت ذرائع حزينة من إفكها، ومربع يبرق بأضوائه المزيفة أمام أعيننا، ليتلفز لنا صورهن، لكنه رغم رقته لم يتمكن من تلفزة تلك اللحظة الكسيرة والخوف المشقوق الى ذهول في أعينهن، وهن يصرخن: غزة.

لغزة..

لمستهل 2009، الدامي، المنكس، المثقوب..

لجحيم الألوان الذي التبس علينا..

لبوابة رفح التي تصر على أن تظل بوابة، يعبرها الهباء فقط..

لمدى لا تصله إلا القذائف..

لقتلى العاشرة والنصف تماما في مستهل الصباح المريض..

لمجزرة لا تريد أن تتوقف..

لكلمات ذاهلة، تتضرج بالوحل في الغيم المحروق..

لخيوط دخان مؤبدة في مناظرها التي تستعر عند القصف، وتحتمي بالخديعة.

لكل هذا يا أبي

لكل ذاك

لكل ما سيأتي:

سيتفقد صبية ذات نهار مقبل، كتب التاريخ ويقرأون: أن زمنا عربيا، لم يتعرب، بقي واقفا في حلق الكلمات، وأن أخوة لنا هم رنّخوا قميص عثمان بدم أصدق من الدم، وأن مصاحف كثيرة رفعت على السيوف، لتمنح العدو فرصة أن يأكل من لحمنا في غزة.

التعليق