برنار لوغان يطرق حقبا نسيها المؤرخون في "تاريخ إفريقيا من البدايات إلى اليوم"

تم نشره في الاثنين 2 شباط / فبراير 2009. 10:00 صباحاً
  • برنار لوغان يطرق حقبا نسيها المؤرخون في "تاريخ إفريقيا من البدايات إلى اليوم"

 

ترجمة: مدني قصري

عمان- وصفُ تاريخ إفريقيا منذ البدايات الأولى لفترة ما قبل التاريخ، أي منذ أكثر من اثني عشر ألف عام، إلى يومنا هذا, ذلكم هو طموح هذا الكاتب المتكون من 1300 صفحة، والذي يرسم مغامرة قارة مجهولة بحكم تعقدها الهائل.

إنه عمل رائع أنجزه المتخصص في الشؤون الإفريقية برنار لوغان، بعد أن استعرض الشعوب الأولى التي استوطنت هذه المنطقة الشاسعة من العالم قام بتحليل التسلسل الزمني للحق التاريخية الكبرى التي بلورت الأوجه المتعددة لقارة إفريقيان والحضارة المصرية القديمة، وانتشار الإسلام للمملك البربرية في شمال القارة، مرورًا بنمو الإمبراطوريات الإفريقية في الغرب(غانا، مالي، الخ) وبداية التدخل الأوروبي في بداية القرن السادس عشر، ومن ثم، بالطبع، بداية مراحل الاستعمار والاستيطان الأوروبي وما ترتب عنه من عواقب.  

هذا النص التاريخي، الغني بالمعلومات الواسع الاطلاع، كان بإمكانه أن يكون نصًا رتيبًا، لكن لوغان الذي أمضى شبابه في المغرب، وعمل لفترة طويلة في رواندا، شخص مولع وشغوف بتاريخ هذه القارة الواسعة. فهو يركز ويلح على الخصوص على حقب تاريخية قد نسيها المؤرخون أحيانًا. ومنها على سبيل المثال، أولئك العبيد السود، الذين عادوا من الغرب في بداية القرن التاسع عشر ليعيشوا في إفريقيا، في ليبيريا وسيراليون. أو أيضا حرب البوير، في بداية القرن العشرين في إفريقيا الجنوبية، حيث نشبت حروب بين الإنجليزي، سيسيل رودس، مؤسس روديسيا، وبين أفارقة مقاطعة ترنسفال، وهو الصراع الذي اعتبر، بحكم فظاعته –لقد أنشأ الانجليز أولى معسكرات الاعتقال في القرن-  المقدمة الأولى للثورات التي اندلعت فيما بعد في أوروبا.    

في هذا البحث، يذكّرنا برنار لوغان، بملمحة المغامرين الأسطوريين، ومنهم ليفينغستون، وستانلي، وسعيهم في البحث عن مصادر نهر النيل. كما يتناول، بكثير من العمق، مسألة الاستعباد في القارة الإفرييية. لكن هذا الكاتب، الذي يدرّس منذ عشرين عامًا، تاريخ إفريقيا، لا يخفي تحيزه أحيانًا.

وهو إذ يعترض على أي شكل من أشكال الندم التاريخي، لا يتردد مع ذلك في توجيه نقد لاذع تجاه الامبريالية، إذ يعتبر أن الاستعمار، الذي بلبل الحياة في هذه القارة، وقلبها رأسًا على عقب، لم يكن في النهاية سوى استطرادًا تاريخيًا، إذ يقول في هذا الصدد: "إن الحقبة الاستعمارية التي بدأت فعليًا بعد مؤتمر برلين الذي نظمه بسمارك، وانتهت في الستينيات من القرن العشرين، ليست أطول من المدة العمرية التي يعيشها أي إنسان. فهي ليست سوى ومضة برق في تاريخ إفريقيا الطويل. ولذلك فإنه من الخطأ أن نعزو لهذه الفترة التاريخية، كافة آلام هذه القارة ومصائبها." ففي رأيه، أن نموذج العلاقة الناجحة مابين الأوروبيين وما بين المحتلين، كان الانتداب الذي فرضه "ليوتي" على المغرب، لأنه أبدى احترامًا كبيرًا لتقاليد البلاد وأعرافها. أما النموذج المعاكس، فكان احتلال الجزائر، الذي قام أساسًا على إهانة السكان، وعلى حلم الإدماج.       

كما أنه من الغباء، في رأي برنار لوغان، الرغبة في أن تصبح إفريقيا شبيهة بأوروبا، باسم مبدأ الشمولية التي يفترض الغرب أنها معيار من معايير العولمة. في هذا السياق يقول الباحث:"لقد أراد الاستعمار، باسم التنمية، وهي فكرة غربية تمامًا، أن يغيّر القاعدة الاجتماعية والأسرية لقارة إفريقيا. بمعنى أن كل الجهود الاستعمارية انصبت على فكرة تنمية المدن. وهو أمر لا معنى له، ولا طائل من ورائه. ففي أوروبا كانت المدينة تمثل، منذ القدم، جزءًا من واقعها. أما في جنوب الصحراء الإفريقية، وباستثناء إثيوبيا، فلم يكن هناك مدن.

أما المدن الإفريقية التي كانت قائمة في فترة ما قبل الاستعمار،  دون التأثير العربي أو الأوربي، فهي نادرة".

وفي رأي برنار لوغان، أن إفريقيا قارة جذابة ومبهرة. لأنها، تحديدًا، قارة مختلفة، وعصية، وغزيرة، منذ الأزل. إنها وجهة نظر قابلة للجدل، لكنها تستحق الدراسة، من خلال هذا الكتاب الذي نقرأه كقصة وكموسوعة.

التعليق