إصدار جديد يبحث في "مسارات النقد" ويتوقف عند ترويض النص الأدبي وتقويض الخطاب

تم نشره في الاثنين 19 كانون الثاني / يناير 2009. 10:00 صباحاً
  • إصدار جديد يبحث في "مسارات النقد" ويتوقف عند ترويض النص الأدبي وتقويض الخطاب

 

عمان- الغد- يرى الناقد د. حفناوي بعلي في كتابه "مسارات النقد ومدارات ما بعد الحداثة -ترويض النص وتقويض الخطاب" الصادر عن منشورات عمان الكبرى أخيرا، أن النقد العربي الحديث بدأ يتشكل في أحضان الليبرالية أو شبه الليبرالية، التي سرعان ما أعلنت قصورها وتراجعت مفاهيمها، وتحولت عن مسارها في مرحلة لاحقة.

ويلفت بعلي إلى أعمال أولئك المفكرين النهضويين، ممن اعتقدوا أن البرجوازية الليبرالية بإمكانها أن تلعب الدور التاريخي نفسه الذي قامت به البرجوازية الغربية، فكان لهم دور كبير في نقل الفكر الحديث، وأدواته النقدية إلى الفكر العربي.

ويقول بعلي إن النقد جزء من الثقافة العربية الذي انتجته، ويصعب تصور مرحلتها الإحيائية من دون المؤثرات الغربية، وأن الطبيعي أن يتلقى دارسو الأدب تأثيرات غربية كثيرة أدت إلى الانعطاف بالتناول النقدي فكرا وتذوقا وتحليلا في تطلعات جديدة تمد قصة النقد العربي الحديث في توتر متصل، يشغله الحنين إلى الموروث، وما يتضمنه من المحافظة على الهوية حينا، وتغريه الحداثة الغربية حينا آخر.

ويضيف بعلي أن امتداد الاهتمام الإحيائي قد ظهر في كتابات يستعيد بعضها البلاغة العربية، ويؤسس بعضها الآخر لآفاق جديدة في النقد والتعبير الأدبي. وقد جاءت تلك الكتب والمقالات تحمل بعض السمات، كتجديد العلاقة بالتراث في ضوء العصر، ومظهرا من مظاهر طلائع المقارنة في الأدب العربي الحديث، سعت لفتح آفاق المقارنة بين الأدب العربي والأدب الغربي تمهد الطريق في السياق الاحيائي ولقاء العرب بالغرب، لتطور آخر في غاية الأهمية، ضمن التفاعل بين العرب والثقافة.

ويؤكد بعلي على أن البدايات الأولى لحضور النقد الجديد الغربي في النقد العربي الحديث قد جاءت على شكل ترجمات.

ويقول "تميزت نهضة النقد العربي الجديد، في بداياتها بإعادة المحاولة القديمة، والاستعداد لولادة ثانية، ولادة فكر جديد موضوعي، تصادف في انطلاقته مع بلوغ "النقد الجديد" أوج عظمته. وكان لزاماً على النقد العربي الحديث، الذي ولد وسط عاصفة التنقضات الاجتماعية، أن يراجع أدواته ومسيرته، ويتخلص من النقد الرومانسي، وأن يؤسس البداية الجديدة، والتحرر من عقدة "النموذج التراث"، ومن وجدانية الرومانسية، وحتميات النقد الاجتماعي والتاريخي، والانطلاق من "النص وإلى النص"، أي الانطلاق من داخل النص بمعزل عن عوامله الخارجية، وبذلك تتأسس الكتابة النقدية الجديدة، بوصفها شهادة ورؤية جديدتين".

ويضيف بعلي: نستطيع القول عموما أن النقد الجديد في الوطن العربي بدأ يأخذ شكلا جديا، وإن لم يخل من محاولات متعثرة، ظلت تقف عند مرحلة "البلاغة" التي اهتمت أكثر بالشكل وصورة الكلام والصياغة.

ويحاول بعلي في كتابه التمييز بين البعدين الفني والجمالي وتحرير العمل الفني من تعلقه بمؤلفه فقط، رائيا أن الاعمال الفنية يجب أن ينظر اليها باعتبارها مستقلة.

ويلفت إلى وجود خصائص بنائية وجهت اهتمام النقاد نحو القراءة القريبة، أي قراءة النص من داخله وليس من خارجه.

ويشير بعلي إلى ظهور التداولية كدرس جديد، أو كدروس جديدة، وتداوليات متعددة، يوحدها العنصر الشكلي لممارسة سلطة المعرفة والاعتقاد في إطار استراتيجيات توجه النقاش- والحوار، مبينا أن التداولية قد طبقت في مجالات عديدة، منها المجال الثانوي، وفي المرافعات، والمناظرات السياسية، وفي المجال الاقتصادي والاجتماعي, وأيضا في الدراسات الفلسفية والمنطقيةواللغوية والادبية.

ويقول إن "تطور النقد الجديد في مراحله المتأخرة نحو ما يعرف باسم "نقد النماذج العليا" أو النقد الاسطوري، يتصل بما كتب في أواخر القرن التاسع عشر، ومطلع القرن العشرين حول الأسطورة، ومن ذلك ما أوردته "جسي وستون" حول أسطورة الكأس المقدسة في كتابها "من الطقوس إلى أدب الرومانس"، وما ذكره الأنثروبولوجي الإنجليزي" جيمس فريزر" في كتابه الغصن الذهبي، وادوارد تايلور، وارنست كاسيرر، وماكس مولر، وت, س. إليوت، وشتراوس، وجيلبير دوران، وإلياد مارسيا. وهارسون، ولورد روجلان، وبراون وفرانز بواس، ومالينوفسكي، مود وكين، نورثروب فراس وغيرهم".

ويرى أن نقاد البنيوية، مثل تودوروف وكوللر، ساهموا في تحويل النظر عن الأعمال المفردة، وجعلا تركيزهما على المؤسسة الأدبية، وأنظمة القراءة. أما نقاد ما بعد البنيوية مثل دولوز وفوكو، فقد فضحوا المؤسسات الاجتماعية القيادية وأدوارها في تأسيس هيمنة المجتمع الاستهلاكي المتقدم وحراسة هذه الهيمنة، مؤكدا أن هذا كله أحدث نقلة نوعية باتجاه العلاقة فيما بين الخطاب والمؤسسة.

ويتطرق بعلي إلى مصطلح "الجماليات الثقافية"، رائيا أن الفضل في طرح مصطلح يعود الى ستيفن غرين بلات.

كما يشير إلى دور إحسان عباس، مؤكدا أنه كان من جيل العمالقة الكبار في الثقافة العربية في القرن العشرين، وأن سيرته الشخصية تلخص سيرة العديد من المثقفين العرب الذين تفتح وعيهم على الصدام بين العرب والغرب. وكانت دراساته النقدية فتوحات في البحث عن منهج نقدي، ويستطيع الموازنة بين حاجات العصر الملحة في مساءلة الذات، وبين التجربة النقدية الحديثة في النظرية الأدبية، حيث كان واحدا من روادها في زمن مبكر.

ويشير بعلي أيضا إلى دور جبرا ابراهيم جبرا، مبينا أنه يمثل بين النقاد العرب المعاصرين ظاهرة متميزة بمفردات عناوين كتبه التي تشمل: الحرية، الطوفان، النار، الجوهر، الينابيع، الرؤية، الفن، الجمال، الحلم، الفعل، التراث، الموهبة، العبقرية، الحياة البعث، الأسطورة، حيث يبعث انتاجه في التراث القديم، ويدخل المشهد النقدي بقوة وأصالة, بمنهج جديد يسمى "النقد الأسطوري".

ويخص إدوارد سعيد بإطلالة يقول فيها إن شهرته لم تقم في البداية على رؤيته العربية سياسيا، بل قامت خصوصا على كتابة القيم والمتميز "الاستشراق"، مفكرا وناقدا مقارنيا.

ويؤكد أن هذا الكتاب فتح آفاقاً جديدة في ميدان البحث وعلاقات البحث بين الغرب والمشرق العربي المعقد، وكانت نظرته متميزة بمعالجة دقيقة، ومعايشة مهمة لروافد الثقافة العربية، وكانت له تحليلات مهمة للفن العربي والشرقي. فحلل استراتيجيات الفكر الغربي في تعامله مع ما ليس غربيا، ليتوصل في الكتاب إلى آخر الفتوحات، والذي حول مسارات دراسات الآخر، وآثر عميقا في حقول بحثية ومعرفية عدة، وتيارات فكرية وأجيال من الباحثين.

ويلفت بعلي أن أهمية سعيد الثقافية والفكرية التي تتجاوز الإعلام والسياسة إلى حقول معرفية عدة من ضمنها: الدراسات الانثروبولوجية، وتاريخ الفن، ودراسات خطاب ما بعد الاستعمار، والنظرية الثقافية الذي كان من أبرز المنظرين والباحثين الذين حولوا مسارها خلال ربع القرن العشرين الأخير، من كتبه ودراساته ومقالاته ودراساته التي تراوحت بين النقد الأدبي والسياسة ونقد الموسيقى، ودراسة ما يسمى في حقل الفلسفة المعاصرة تحليل أنظمة الفكر.

ويتوقف بعلي مليا عند الناقد السعودي "عبدالله محمد الغذامي" مبينا أن يمثل ظاهرة في مسار الخطاب العربي النقدي، من خلال منهجه الذي أثار زوبعة، لم تزل آثارها مشهودة في المملكة العربية السعودية، وخارجها في عالمي النقد والثقافة في مجمل مؤلفاته، التي تزيد عن عشرة مؤلفات.

وبقول بعلي "تثير كتابات الغذامي أسئلة عديدة، حول أخلاقيات النقد والقراءة، ويربط الممارسة النقدية بعلوم التأويل، ونقد الخطاب والطابع الاتصالي والتداولي للأدب، كما يقدم نقدا للمفاهيم الرئيسية الشائعة، التي يرتكز عليها النقد العربي المعاصر، ويكشف أزمة النقد العربي الكامنة في سيطرة مفاهيم ترتبط بالأيديولوجية السياسية الداعية إليها.

ويرى أن " الغذامي، كغيره من النقاد المحدثين، يحتكمون إلى النص، سواء كانوا بنيويين أم تشريحيين أم تقويضيين، لا يتكلمون عن مبدع الأثر بقدر ما يتكلمون عن الأثر نفسه، من حيث دلالته وإيحائه. فالنص في رأيه نسق مطلق ذو دلالات، ولكنه وسيلة نسبية لرؤية موحدة بقيمها من أصوات مختلفة لم تقصد أصلا".

ويعد بعلي في كتابه أن الناقد والمفكر الجزائري "محمد أركون" من أبرز المثقفين العرب والفلاسفة الحداثيين في العالم العربي لمنهجه الذي ينطوي على التقارب بين الإسلام/ العرب والغرب، بعيدا عن توسيع الخلافات والتسليط على الآخر.

ويرى أن موقفه من الحوار بين الثقافات، يجعل منه "ابن رشد العصر الحديث" خاصة أنه يدرس بتمعن التراث الماضي المشترك للحضارات، واستنكار كل منها للآخر في الوقت الراهن، وهو برأيه نتيجة للجهل المؤسس والذي يمتد حسب رأيه إلى درجة ليس لها نظيرا خلال الخمسين عاما الماضية، معتبرا أن المشروع الأركوني في مفصلاته يختلف تماما عن منهج المستشرقين، وهو فكر في حقيقة الأمر ليس سهلا بطبيعته.

ويتطرق بعلي إلى الفيلسوف والمفكر المصري عبدالرحمن بدوي الذي أخرج للدنيا أكثر من مائة وعشرين كتابا في شتى فروع الفكر الإنساني وموسوعة في الفلسفة والأدب العربي منه والاوروبي بمختلف لغاته.

ويتوقف عند مبتكراته ودراساته النقدية وإبداعاته الادبية والشعرية ودراساته النقدية المقارنة وترجماته للروائع الادبية المائة، وتحقيقاته لعشرات من المخطوطات في الفلسفة الاسلامية.

ويرى بعلي أن بدوي فتح للباحثين مجالات للدراسات ما كانوا بدونها قادرين على التعرف عليها فضلا عن الخوض فيها من خلال تأليفه لأكبر الموسوعات المختصة، مثل: موسوعة الفلسفة, وموسوعة المستشرقين ونشره الحديث للترجمات العربية القديمة لمؤلفات أرسطو، مع مراجعتها على الأصل اليوناني.

التعليق