"اتجاهات الغزل" ليوسف بكار: تصنيف القول الشعري ما بين العذري والصريح

تم نشره في السبت 17 كانون الثاني / يناير 2009. 10:00 صباحاً
  • "اتجاهات الغزل" ليوسف بكار: تصنيف القول الشعري ما بين العذري والصريح

عمان-الغد- يتناول د. يوسف بكار في كتابه "اتجاهات الغزل في القرن الثاني الهجري" الصادر عن دار المناهل في طبعة ثانية منقحة خضعت لإعادة النظر, جملة من فصول درست اتجاهات الغزل في القرن الثاني الهجري الذي يعد من أخصب العصور الادبية غزلا.

ويجزم بكار أن دراسته لذلك العصر تعد أول دراسة مستقلة تفرد على هذا النحو، وتتبع اتجاهاته وتتقصاها كشفا وتحليلا.

ويقدم بكار في كتابه وصفا عاما للحياة الاجتماعية والعلمية والعقلية, مشيرا الى الناحية السياسية وما تولد فيها من مشكلات بعد نجاح الانقلاب العباسي، اذ اضطربت الاتجاهات والميول في الأوساط العامة والادبية مما أحدث خللا في مواقف الأدباء والشعراء ولون أكثرهم ألوانا مختلفة وزحزح اقدامهم.

ويلفت بكار إلى الحياة الاجتماعية التي كثرت مظاهرها في القرن الثاني الهجري، وكان من أبرزها طغيان تيار اللهو والترف والمسرات، مشيرا إلى أن بحثه قد ساير الخلفاء في ذلك منذ عهد المتأخرين من خلفاء بني امية ممن يدخلون في عداد هذا القرن حتى نهاية عهد الأمين، وكشف عن تصرفاتهم وملاذهم وبذلهم للأموال في سخاء على ضروب اللهو والملذات وفي سبل الغناء والمغنين، ولمكافأة الدجالين والمرتزقة من الشعراء وغير الشعراء، وقد جاراهم في ذلك كثيرون من الوزراء والأمراء والولاة والقادة وسراة القوم وأغنياؤهم.

ويشير إلى جملة من الظواهر الكبرى في المجتمع آنذاك، مثل كثرة الجواري مما كان له دور كبير في نشر الابتذال والاسفاف والتشجيع على الغزل الصريح، مستعرضا العادات و"التقاليد" الاجنبية والفارسية التي دخلت المجتمع الإسلامي في الملبس والمأكل والمشرب والعمران، وبناء الدور واستعمال الأدوات والموائد وغيرها من العادات والآداب العامة الاخرى.

ويتحدث بكار عن الحياة العلمية والادبية والعقلية التي ازدهرت بازدهار الحياة الاجتماعية، مبينا أن الحركة العلمية كانت تسير في اتجاهين واضحين: أحدهما اهتم بنقل الآثار الأجنبية إلى العربية، وكان لهذا الاتجاه إرهاصاته منذ العهد الاموي، أما الآخر فكان ينصب على الاهتمام بالتراث العربي جمعا وتدوينا، شمل العلوم الدينية والآداب واللغة والنحو والتاريخ، ومما ساعد على ازدهار الحركة العلمية تشجيع الخلفاء و"المسؤولين" وبذل الصلات والمكافآت الكبيرة للعاملين في ذينيك الحقلين.

وتطرق إلى الحياة العقلية، مرجعا الفضل فيها إلى الفرق المختلفة والمعتزلة تحديدا، التي كانت لها آثار واضحة في الأدب نال الغزل منها نصيبا لا بأس به.

ويصنف بكار اتجاهات الغزل في العصرين الجاهلي والأموي، في اتجاهين بارزين: الحسي بقسميه الفاحش الصريح وغير الفاحش.

ويشير إلى قلة الغزل المعنوي وأسبابه رافضا ما ذهب إليه بعض الدارسين من أن الفاحش منه غير عربي النشأة، أو أنه مكتسب من غير العرب، أما الآخر فالغزل العفيف عند عدد من المتيمين الجاهليين، ذاهبا مع الذاهبين إلى ان الغزل العذري الأموي لم يكن إلا استمرارا لهذا الاتجاه الجاهلي.

 أما الغزل الأموي فيرى أنه تمثل في ثلاثة اتجاهات بارزة: أولها حسي فاحش وغير فاحش، وثانيها عذري كثر أصحابه وتعددت قصصهم، وتبين من شعرهم أن البدوات واللمحات الحسية فيه تزيد على ما عند زملائهم الجاهليين، وثالثها وآخرها تقليدي في مقدمات القصائد، حيث أكثر الشعراء فيه من الوقوف على الأطلال وترديد أسماء النساء والأماكن وغير ذلك من مستلزمات.

ويعاين بكار الغزل التقليدي في مقدمات القصائد، الغزلية منها والطللية، ويتتبعها في مواطنها، مؤكدا أن قسما منها في قصائد الهجاء الذي لم يكن استهلاله بها من جديد القرن الثاني، وأن قسما في قصائد الفخر يعد أقرب أغراض الشعر ملاءمة للغزل لما بين الفئتين من وشائج وعلائق.

ويفرد لبشار بن برد من بين شعراء القرن الثاني في استهلال قصيدتين له في الفخر بالغزل، مثلما يفرد له قصيدة واحدة في الرثاء.

ويقدم بكار مقدمات كبار الشعراء في المدح كل على حدة، بداية من بشار الذي يرى أنه لم يجاريه شاعر في كثرتها واحتفاظها بالسمات القديمة، مفسرا هذا بأن المدة التي عاشها في العهد الأموي كانت أطول منها في الدولة العباسية، فضلا عن أنه كان من خريجي البادية وحجور بني عقيل، مشيرا إلى ما امتازت به مقدماته وطولها المفرط، إذ كان يزيد بعضها أحيانا على أبيات الغرض نفسه، إضافة إلى محاولته التجديد في عناصرها لما ركب في بعضها السفينة إلى الممدوح بدلا من الناقة أو البعير، رائيا أنه فتح هذا الباب لغيره من الشعراء من مثل ابي الشيص ومسلم بن الوليد والحسين بن الضحاك، رغم ان مقدماته لم تخل من الفحش والصراحة.

ويلتفت بكار إلى أبي نواس، مشيرا إلى أن مقدماته كانت أقل عددا من مقدمات بشار، وكان من أكبر المتخففين من قيودها والتزاماتها وعناصرها، لأنه كان يلجأ اليها مضطرا، معتبرا أنه كان من أكبر حملة ألوية الثورة عليها، ومن سمات مقدماته، التكلف وعدم الصدق الفني، وقصرها الشديد حتى أن أطولها لم يتجاوز ثمانية أبيات، كما أنها خلت من الأوصاف الحسية ومن كل ما يدل على وجد وحب وشكوى باستثناء البكاء المصطنع أحيانا، وربما كان السبب قصرها الشديد وأن الرجل لم يكن يصدر فيها عن طبع وصدق وأصالة.

التعليق