شربل داغر: مستقبل قصيدة النثر ما يزال يتأرجح بين صعوبة الدرس والممانعة

تم نشره في الجمعة 16 كانون الثاني / يناير 2009. 09:00 صباحاً
  • شربل داغر: مستقبل قصيدة النثر ما يزال يتأرجح بين صعوبة الدرس والممانعة

 

عمان- الغد- يقدم الشاعر شربل داغر في أبحاثه النقدية التي اتجهت أخيرا كي تعاين "مستقبل القصيدة بالنثر" أكثر من دراسة وشهادة إبداعية، تحاول التأكد من متانة البنى والتحقق من اندفاعات أمر هذه القصيدة، التي حركت وتحرك مشهد الشعر العربي من دون أن تبلغ تماماً الدرس الجاد حول الممانعة في قبولها، من جهة، وبين الصعوبة في درسها، من جهة ثانية.

ويقول داغر" كيف يمكن الحديث عن "مستقبلها"، وماضيها مطو من دون تفقد، وحاضرها لا يزال محل "حوربة" و"تخندق" في غالبه؟.

ويقر بوجوب الاعتراف بان قصيدة من دون أصل، وإن تعرف سلفها البعيد، أمين الريحاني، على شعر وولت وايتمان، وسلفه القريب، أنسي الحاج، على شعر بودلير ورامبو والسورياليين الفرنسيين وإن لاك البعض طويلاً كلام سوزان برنار، التي لم تعرف ترجمة لكتابها الذائع الصيت إلا في السنوات الأخيرة. حتى أن رائداً من روادها وهو محمد الماغوط أتاها من دون لغة أجنبية.

ويضيف داغر "إلى الآن لم نتحقق تماماً من خروجنا من النسق العروضي، ولا من مستحقات دخولنا في نسق آخر. هكذا خرجنا من العروض من دون أن نخرج تماماً. ودخلنا إلى هذه التجربة الشعرية من دون أن ندخل كفاية. كما إننا دخلنا من دون أن ندخل إلى نظام، ولا إلى قواعد. دخلنا وحسب إلى ميدان للكتابة، مع مقادير مختلفة من القابليات والاستعدادات والاندفاعات، تبعاً للشعراء ولخبراتهم ولثقافتهم الشعرية، ولا سيما الأجنبية".

ويرى داغر أن الحراك الحالي في اللغة العربية منذ "عصر النهضة"؛ هو الحراك صوب عربية أكثر تاريخية من لغة القواميس والفقهاء وكتبة الدواوين "الرثة" والمتحجرة قبل هذه الحقبة. صوب عربية "تخلعت" بما لا يحتمل أي نمط، لا مسبق ولا لاحق. عربية نهلت من لغة الجرائد "المهلهلة" والجديدة بهذا الفعل نفسه، كما نهلت من لغة الترجمة سواء في الرواية أو في الشعر أو في غيرها.

ويميل شربل إلى القول بإن القصيدة بالنثر في الكتابة العربية هي أكثر من نوع، إذ تعين كياناً بل ميداناً شعرياً وكتابياً أغنى من أن يتعين في شكل ثابت أو في قواعد مقرة مبينا أن في هذا تكمن "حرية" هذه القصيدة التي تبلغ حدود التيه. وهي القابلية التي لها في أن تكون فيما لا تكون؛ أن تكون هي نفسها، وغيرها، في آن واحد؛ أن تتقدم فيما تتراجع أو تغور أو تتمدد؛ أن تتقدم ولكن بالعرض، فيما تنبني في بعض القصائد تتابعياً، تراكمياً، مثلما تصب القصيدة العمودية.

ويؤكد أن القصيدة بالنثر تولدت في السياق عينه الذي تولدت فيه تجارب أخرى، ومنها وآخرها "قصيدة التفعيلة" . إلا أن هذه القصيدة تنزلت بصعوبة أكبر في الشعرية العربية نظراً لاتصالها "المربك" بالنثر.

ويقول "قيل الكثير عن علاقة النثر بالشعر، أو عن العكس. وقبل الكثير عن تباينهما في القواعد والمعايير. وقيل القليل عن تعايشهما في سياق الأدب والجملة. وإذا كان لنا أن نستبين هذه الصلة في الشعر فإنه وجب الانتباه إلى أن النثر عرف، منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، "قصة نجاح منقطع النظير". فقد شهد النثر منذ هذا العهد توسعاً لميادين الكتابة به، و"تلييناً" للغة النثر الفني، من الجريدة حتى الرواية والمسرحية، فضلاً عن أن اللغة هذه اقتربت من المعيش والمحسوس، ومن الحياة والتعبير بالتالي.

ويشير إلى أن هذا التعايش-النزاعي، أو هذا النزاع-التعايشي، أو مختلف أوجه التنافذ بين اللغتين، قد عرفته العربية عموماً، وخبرته وجربته القصيدة بالنثر أكثر من غيرها ودليل تلك المناقشات الأدبية في مطالع القرن العشرين يتحقق من أنها كانت أكثر تفتحاً وقبولاً للتعايش؛ بل يتوقع المعاين لها إمكان بلوغ علاقة خصبة للشعر ابتداء من النثر: فبعد نشر جرجي زيدان لقصيدة أمين الريحاني الأولى من "الشعر المنثور" في "الهلال" تبعت سلسلة مقالات لزيدان نفسه وبولس شحادة وعيسى اسكندر المعلوف وتوفيق إلياس إنجليل وغيرهم تعاملت بانفتاح مع هذا التغير.

ويتطرق داغر الى القول الذي تنبهت إليه الدراسات اللسانية، لا سيما عند رومان جاكوبسون الذي تكلم عن خطاب شعري من دون وزن رائيا أن التوصل الأهم في أعماله هو حديثه عن "الوظائف" في الخطاب: ففي دراسته الموسومة بـ"لسانية وشعرية"، التي يلخص فيها أعمال "الشكلانيين الروس" و"حلقة براغ"، حيث يقول جاكوبسون إن ما يفصل أو يجمع بين اللغة المنطوقة واللغة المكتوبة واللغة الأدبية لا يتعين في مدى مطابقة أو ابتعاد هذه اللغة أو تلك عن هذه القاعدة أو تلك، وإنما يتعين في مقادير حضور الوظائف المختلفة التي تمثل في هذه اللغات كلها، ولكن بمقادير وبقوة مختلفة. كذلك فإن الاختلافات بين الأجناس وبين التقنيات الأدبية لا تتعين في تعارضات حادة، مثلما جرى الاعتقاد طويلاً بها بين النثر والشعر على سبيل المثال، وإنما تتعين الاختلافات في "توزيع متبدل" لهذه الوظائف .

ويؤكد على وجوب النظر من خارج العروض. لافتا الى أن الدارس لا يزال يتحقق من بعض أسباب استمرارها إذ يعاين – وإن بعجل – المشهد الشعري. فهو يتحقق من أنها لا تزال غير مقبولة من شعراء، من نازك الملائكة حتى أحمد عبد المعطي حجازي، كما إن نقاداً عرباً معروفين بدراساتهم في "الشعرية" ومسائلها يتجنبونها ضمناً إذ لا يخصونها أبداً بالدرس. وقد لا يكون الحديث مناسباً عن "مستقبلها" بالتالي من دون الحديث، ابتداءً، عن هذين المعوقين. فماذا عن "الممانعة" التي تحول دون تركزها؟

ويرى أن الصعوبة هذه قد تتأتى، في المقام الأول من كون هذه القصيدة "غريبة" و"صادمة" للشعر وللشعرية العربيتين: فإذا كانت هذه القصيدة قد قبلت في فرنسا، موطنها الأول فذلك يعود إلى سهولة دخولها إلى الشعر والشعرية الفرنسيتين، بفعل وجود "أشكال" مختلفة للقصيدة سابقة على انبثاقها فيه، فيما لم يعرف الشعر العربي سوى المدح، والهجاء من دون أشكال متعددة ومتباينة.

ويقول داغر "لعل القصيدة بالنثر قد تبدت، في عالم العربية، لا إضافة أو تنويعاً في الشكل، بل خروجاً على الشعر والقصيدة في آن. فهي النوع الكتابي الجديد الذي فصل، في الشعرية العربية، بين الشعر والقصيدة، وبين القصيدة والقالب العروضي، وبين القالب العروضي والإيقاع، وبين الإيقاع والحروف... وهي قصيدة تنتسب إلى النقائض، إذا جاز القول، إذ تشير في مبناها التركيبي إلى الشيء وعكسه في آن، وهو ما يصعب على البعض قبوله في العربية، ولا سيما ممن اعتاد منهم على النظام والاتساق سبيلين للتعرف على الأشكال الفنية والجمالية".

وماذا عن صعوبة درسها، التي قد تحول دون توطنها؟

ويضيف هذا ما أصاب القصيدة بالنثر من منتقديها، مثل نازك الملائكة وغيرها، حيث لم يجدوا فيها العروض أو الإيقاعية النسقية. وهذا ما أصابها من المدافعين عنها، حيث وجدوا فيها – إثر سوزان برنار – "إيقاعاً داخلياً"، فيما لم أعثر عليه – بخلافهم – عندما درست بعض نماذج هذه القصيدة في نهاية السبعينيات.

ويخلص داغر إلى ما تبناه ،لاحقاً في كتابه "الشعرية العربية الحديثة" حيث يقول "إذا كان المقصود بهذا الإيقاع الداخلي والإشارة إلى نظام مستمر ومتواصل، ذي وحدات بينة، فإن هذا الإيقاع غير موجود. فنحن نعثر في هذه القصيدة أو تلك على قدر متتابع أو الصلة الإيقاعية بين حروف لينة، أو غيرها من السمات الصوتية، ولكن من دون أن تؤلف أبداً سلسلة إيقاعية، ذات وقفات وانعطافات واضحة، إضافة الى أن القصيدة بالنثر لم تزل حالة صعبة الدرس ذلك أن الانتظامات الإيقاعية صعبة ومتقطعة وغير متوقعة بأية حال، وتتخذ شكل التكرار، الواقع في مبتدأ السطر أو في منتهاه، وفي تركيب الجملة المستعاد كما في السجع: لهذا يمكن الحديث عن "تموجات" في مباني الكلام، وهي تستحسن أصواتاً أو ميلاناً صوتياً بعينه، خاصة بعد انفكاك القفل بين النحو والإيقاع".

التعليق