صموئيل هينتنغتون: الانتماءات الثقافية تلعب دورا حاسما في العلاقات بين الدول

تم نشره في الجمعة 2 كانون الثاني / يناير 2009. 10:00 صباحاً
  • صموئيل هينتنغتون: الانتماءات الثقافية تلعب دورا حاسما في العلاقات بين الدول

حوار مع صاحب نظرية الصدام ما بين الحضارات

ترجمة وإعداد: مدني قصري

عمان- الخبير في السياسية الدولية صامويل هينتنغتون، مؤلف كتاب "صدام الحضارات" الذي أثار جدلا واسعًا بسبب تنبئه بوقوع صراعات مرتبطة بمختلف الثقافات، توفي الأسبوع الماضي عن واحد وثمانين عاما، بعد أن حاضر على مدى 58 عامًا في جامعة هارفارد، قبل أن يتقاعد العام 2007.

في كتابه "صدام الحضارات" (1998) الذي أعده انطلاقًا من مقالة نشرت العام 1993 في مجلة Foreign Affairs، يضع هينتنغتون تصورًا لعالم سوف تنمو فيه صراعات ونزاعات ذات طابع ثقافي ما بين الحضارات.

وبإصراره على عوامل الصراعات الثقافية، وليس على الصراعات الإيديولوجية التي سادت في فترة الحرب الباردة، أثار هينتنغتون جدلا واسعًا حول العلاقات ما بين العالمين الغربي والإسلامي، خصوصا بعد هجومات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 على الولايات المتحدة، إذ يلح على أن الهويات والصراعات والانتماءات الثقافية تلعب دورا حاسما في العلاقات ما بين الدول".

في العام 2004، ومع صدور كتابه "من نحن؟" كان قد أثار أيضًا جدلا قويًّا، إذ تذرّع بالقول إن التدفق المكثف للمهاجرين المكسيكيين إلى الولايات المتحدة، بات يهدّد الهوية الوطنية الأميركية.

ألف هينتنغتون، أو شارك في تأليف نحو خمسين كتابًا، وقد تعاون مع مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض، ما بين 1977 و1978 تحت رئاسة الرئيس الأسبق جيمي كارتر.

منذ 13 عامًا، ثلاث كلمات ما فتئت تهيمن على الخطاب الخاص بالشؤون الثقافية والدولية والدينية في علاقتها مع السياسة الخارجية المعاصرة. "صدام الحضارات، على نحو ما قدّمه هينتنغتون، ما فتئ يثير جدلا صاخبًا عبر العالم. خصوصا ما بين البلدان الإسلامية. فكثيرًا ما تُفسر نظريته من حيث أنها الإعلان عن وجود تنافر أساسي بين "الغرب المسيحي" وبين "العالم الإسلامي". والحال أن التأثير الحاسم لهذه النظرية على السياسة العالمية من الصعب فهمه أحيانًا. في هذا الشأن تحدثت مجلة "إسلاميكا" مع صامويل هينتنغتون عن "هوية الصدام" واللوبي الإسرائيلي، قبل استقالته العام 2007 بقليل.

* في نظريتك حول صدام الحضارات نراك تصر على أنه "ينبغي فهم السياسة العالمية الحالية كنتيجة لصراعات دامت زمنًا طويلاً ما بين الثقافات الكبرى والديانات الكبرى في العالم". وقد توسع هذا الطرح على إثر أحداث أيلول (سبتمبر). وكثيرًا ما تُعّرف الحرب ضد الإرهاب، حاليًا، كصدام أساسي ما بين حضارتين يقع فيها الغرب ضد الإسلام. أتعتقد أن طرحك مُستعمل بشكل صحيح في وصف الحرب ضد الإرهاب كحرب يقوم بها الغرب ضد الإسلام؟ وإن كان العكس هو الصحيح فأيّ تعديلات ستقدمها لتطبيق نظريتك هذه؟

- أرى أن أطروحة كتابي حول صدام الحضارات قد انعكست بطريقة جيدة في هذا الاستشهاد القصير بالقول إن العلاقات ما بين البلدان في العقد القادم ستحظى بفرص أفضل لتجسيد التزاماتها الثقافية، وصلاتها الثقافية وصراعاتها، مع بلدان أخرى.

من البديهي جدًا أن السلطة مستمرة في لعب دور أساسي في السياسة العالمية، مثلما كان ذلك شأنها دائمًا. لكن هناك في العادة شيئا آخر أيضًا؛ في القرن الثامن عشر، في أوروبا، كانت المشاكل تنشأ، إجمالا، ما بين انظمة ملكية في مواجهة الحركات الجمهورية النامية، في أميركا أوّلا، ثم في فرنسا. في القرن التاسع عشر، كانت الهوية (الجنسية) والأشخاص أساسًا، هم الذين يسعون لتحديد القومية، وإنشاء الدول التي تعكس قوميتها. وفي القرن العشرين احتلت الإيديولوجية المكانة الرئيسية في الجزء الأكبر، لكن ليس فقط بسبب الثورة الروسية وحدها، إذ نجد تنافس الفاشية والشيوعية والديمقراطية الليبرالية فيما بينها.

والحقيقة أن كلّ هذا انتهى، أو كاد ينتهي. فالفاشية والشيوعية لم تختفيا اختفاء كاملا، لكنهما وُضِعتا جانبًا بالتأكيد، وصارت الديمقراطية الليبرالية مقبولة شيئًا فشيئًا عبر العالم، نظريًا على الأقل. السؤال الحقيقي إذًا، هو أن نعرف ما هي الفائدة الأساسية في السياسة العالمية في العقود القادمة؟

ظني أن الهويات الثقافية، والصراعات والانتماءات الثقافية لن تكون وحدها في ساحة المعركة، بل ستلعب دورًا رئيسيًا فيها؛ ستُقيم البلدان المختلفة تعاونًا ثنائيًا فيما بينها، وسيتوافر لها قدر أوفر من الحظوظ للتعاون بعضها مع بعض، عندما تتقاسم ثقافة مشتركة، وهي الثقافة التي يمثل الاتحاد الأوروبي أخطر مثال عنها. لكنّ مجموعات أخرى من البلدان بدأت تظهر في قارة آسيا الشرقية، وفي أميركا الجنوبية. هذه السياسة، كما قلت، سوف تُوجّه أساسًا، في جزئها الأكبر، نحو التماثلات الثقافية، ونحو الصراعات الثقافية.

* إذا كان طرحك يفسر مجمل العلاقات بين الدول على ضوء أحداث ما بعد 11 أيلول، فكيف تفسر في هذه الحالة التحالف بين باكستان والولايات المتحدة الأميركية ضد أفغانستان، مثلا، وعلاقات أخرى من النمط ذاته؟

 - باكستان والولايات المتحدة الأميركية بَلدان جد مختلفين، بطبيعة الحال، لكن بينهما مصالح جيوسياسية مشتركة، هدفها الحيلولة دون هيمنة الشيوعية في أفغانستان. والآن وقد صار لباكستان حكومة بات بالإمكان أن نتعاون معها، حتى وإن كانت حكومة عسكرية. فنحن إذًا، نعمل معها من أجل ترقية وتطوير مصالحنا المشتركة. لكن، بطبيعة الحال، عندنا أيضًا خلافاتنا مع باكستان حول عدد من القضايا.

* في كتابك تقول "على مدى 45 عامًا كان الستار الحديدي هو الخط الفاصل الأساسي في أوروبا. لكنّ هذا الخط انتقل إلى مئات كثيرة من الكيلومترات شرقًا. إنه الآن الخط الذي يفصل الشعوب المسيحية الغربية من ناحية، والشعوب الإسلامية والأرثوذكسية، من ناحية أخرى". بعض المفكرين ردّوا على هذا التحليل بالتصريح بأن مثل هذا التقطيع الثنائي ما بين الغرب والإسلام، ينطوي على تماثل مهم في قلب هذين النمطين. وفوق ذلك، يصرّ بعض الأشخاص على أن مثل هذا التمييز يعني أن الإسلام لا وجود له في العالم الغربي. وأعلم أن مثل هذا النقد قد تكرّر كثيرًا معك. فكيف تردّ، بوجه عام، على مثل هذا التحليل؟

- إن ما يوجهه بعض الأشخاص، هو نقد خاطئ كل الخطأ. أنا لا أقول بأن الغرب قد صار موحدًا، ولا أفترض ذلك. هناك بالطبع انقسامات في قلب الغرب نفسه، وانقسامات في قلب الإسلام نفسه، والأمر مرتبط بطوائف مختلفة وعديدة. فما من أحد منهما متجانس. لكنهما يتقاسمان أشياء كثيرة. ففي كل مكان يجري حديث الناس عن الغرب وعن الإسلام. ويفترض أن هذا الأمر على صلة ما بالواقع، وأن الأمر يتعلق بكيانات تحمل بعض الدلالات. وبالطبع كل الديانات، تقع في قلب هذا الواقع.

* هل هناك تصالح أو اختلاف ما بين جانبي "الستار الحديدي"، كما يوصف الوضع في غالبية الأحيان؟

 - أنت تقول "على جانبي الستار الحديدي"، لكن، كما أشرت إلى ذلك آنفًا، هذان الجانبان منقسمان أصلا، والبلدان الغربية تتعاون مع البلدان الإسلامية، والعكس بالعكس.

ظني أنه من الخطأ التفكير في إطار جانبين متجانسين يتواجهان تواجهًا محزنًا. إن السياسة العالمية تظل سياسة معقدة للغاية، وللبلدان مصالح مختلفة، وهو ما يدفعها أيضًا إلى بناء ما قد يبدو لنا صداقات أو تحالفات غريبة.

الولايات المتحدة الأميركية تعاونت من قبل، وهي مستمرة في هذا التعاون مع مختلف الدكتاتوريات العسكرية عبر العالم. بالطبع، نفضل أن تصبح هذه الدكتاتوريات ديمقراطية. لكننا نتصرف كذلك لأننا نملك مصالح مشتركة، سواء كان ذلك من خلال العمل مع باكستان ضد أفغانستان، أو أي شيء آخر..!

 madani.guesseri@alghad.jo

التعليق