أزعر الحارة يضرب مرة أخرى

تم نشره في الاثنين 29 كانون الأول / ديسمبر 2008. 10:00 صباحاً

هآرتس– جدعون ليفي

اسرائيل خرجت بالامس من حرب جديدة بائسة وبلا داع. في السادس عشر من تموز 2006، بعد اربعة ايام من اندلاع حرب لبنان الثانية، كتبت في هذه الصحيفة: "في كل حارة هناك ازعر يحظر اغاظته... ليس لأنه ليس على حق، فهذا الازعر تعرض فعلا للمس. ولكن رده كبير وغير متناسب". بعد ذلك بعامين ونصف تكرر الاحداث نفسها ولكن بصورة مفزعة ومثيرة للقشعريرة. خلال بضع ساعات من ظهيرة يوم السبت زرع الجيش الاسرائيلي في غزة القتل والدمار بأحجام لا تقترب صواريخ القسام التي اطلقت طوال كل السنوات منها، وعملية "الرصاص المصهور" ما زالت في بدايتها. مرة اخرى تتجاوز ردود فعل اسرائيل العنيفة حتى وإن كانت مبررة كل نسبة وتناسب، وتجتاز كل خط احمر انساني واخلاقي وقانوني على المستوى الدولي وتتجاوز حدود الحكمة.

ما بدأ بالأمس في غزة هو جريمة حرب وحماقة دولة. سخرية التاريخ المريرة: حكومة خرجت بعد شهرين من اقامتها بحرب عدمية فظيعة- اليوم يوشك الجميع على الاعتراف بذلك تقريبا. تخرج الى حرب بائسة أخرى قبل شهرين من انتهاء ولايتها. وبين هذا وذاك كان ايهود اولمرت يطلق من حنجرته شعارات السلام عاليا وقال اكثر الكلمات جرأة في تاريخ رؤساء الوزراء في اسرائيل. شعار السلام الذي اطلقه قوبل بحرببين عدميتين في ممارسته والى جانبه وزير دفاعه ايهود باراك قائد حزب اليسار المزعوم، في منصب الشريك الرئيسي في الجريمة.

إسرائيل لم تستنفد الخطوات السياسية، قبل خروجها بالأمس في حملة القتل والدمار المفزعة. صواريخ القسام التي تطلق على غلاف غزة تحولت الى ظاهرة لا تطاق، وقد تسببت بالموت ايضا، الا ان الرد عليها يجب ان يكون مغايرا في مضمونه وهدفه: تحركات سياسية لاعادة وقف اطلاق النار هذا الوقف الذي خرق في المرة الاولى كما يجب ان نقول الان، بمبادرة من اسرائيل، عندما قصفت النفق من دون داع- وبعده، وان لم ينجح ذلك ، فمن الواجب التوجه نحو رد عسكري مضبوط وتدريجي. ولكن لا. كل شيء او لا شيء. الجيش الاسرائيلي شرع بالامس في حرب لا نعرف نهايتها كالعادة.

دم سيراق الان مثل المياه. غزة المحاصرة والفقيرة، مدينة اللاجئين، ستدفع الثمن الاساسي، ولكن الدم عندنا سيراق ايضا من دون داع. حماس بحماقتها تسببت بذلك لنفسها ولشعبها، ولكن ذلك لا يبرر البتة رد فعل اسرائيل المبالغ فيه. تاريخ الشرق الاوسط يكرر نفسه بصورة دقيقة وعجيبة، ولا يزداد في هذه التكرارية الا الاصرار والصرامة. ان شهدنا بين حرب يوم الغفران وحرب لبنان الاولى تسع سنوات من الهدوء في سابق الايام، فنحن نخرج الان للحروب كل عامين، وبذلك تبرهن اسرائيل على عدم وجود علاقة بين حديثها عن السلام وبين سلوكها الحربجي.

اسرائيل ايضا تبرهن الآن، انها لم تستخلص العبرة من الحرب السابقة: مرة اخرى ساد قبل الحرب جدال شعبي إجماعي بصورة غريبة، وتردد في طاره صوت واحد فقط، الصوت الذي يدعو للضرب والتدمير والتجويع والقتل ويحرض على تنفيذ جرائم حرب. مرة اخرى جلس المحللون بالأمس في الاستديوهات وصفقوا للطائرات الحربية التي قصفت قواعد الشرطة الزرقاء التي ترعى النظام العام في الشوارع. ومرة اخرى يدعون الى مواصلة الضرب بشدة وعدم التوقف. مرة اخرى يصف الصحافيون فقط صورة البيت المثقوب في نتيفوت باعتباره "مشهدا صعبا"، مرة اخرى تجرأنا للتذمر والادعاء بأن العالم يعرض المشاهد من غزة- ومرة اخرى يجب الانتظار بضعة ايام اخرى حتى يرتفع اخيرا صوت من الظلام، صوت الحكمة والاخلاق. بعد اسبوع – اسبوعين سيتنافس المحللون فيما بينهم في انتقاداتهم لهذه الحرب- بعد ان تنافسوا في الدعوة لتوجيه الضربات- ومرة اخرى سيكون ذلك بعد تأخر كبير.

المشاهد التي غطت الشاشات في كل ارجاء العالم بالأمس اظهرت مسيرات الجثث والجرحى، الذين يلقى بهم من صندوق السيارات الخلفي الى المستشفى الوحيد في غزة، الذي يستحق ان يسمى كذلك. ربما يتوجب التذكير مرة اخرى اننا نتحدث عن منطقة فقيرة بائسة ، والتي يعتبر اغلب سكانها من ابناء اللاجئين الذين شهدوا في حياتهم مراحل صعبة وغير انسانية، وهم مسجونون ومقاطعون من قبل العالم كله منذ عامين ونصف. الاعتقاد باننا سنكسب في غزة حلفاء جددا من خلال الحرب، وان التنكيل بالناس وقتل ابنائهم سيغير وعيهم، وان الحرب قادرة على اسقاط حكم راسخ واستبداله باخر، يكون محبوبا على قلوبنا ومقبولا علينا- ليس اكثر من افكار خيالية بائسة. حزب الله لم يصبح ضعيفا بعد حرب لبنان الثانية، ولن تضعف حماس بسبب حرب غزة وانما بالعكس. بعد مدة من الزمن وبعد ان تنتهي مسيرة الجثث والجرحى، سنتوصل الى وقف اطلاق نار جديد، تماما كما حدث بعد لبنان، وبالضبط كما كان من الممكن ان يحصل من دون هذه الحرب التي لا يوجد لها داع.

في هذه الاثناء اتيح المجال للجيش الاسرائيلي حتى ينتصر، هكذا يقولون. بطل على الضعفاء. الجيش الاسرائيلي قصف بالامس من الجو عشرات الاهداف، وصور الدم والنار ستظهر للاسرائيليين وللعرب وللعالم كله ان قوة ازعر الحارة لم تتلاشى. وعندما يعربد، لا يمكن لأحد ان يقف في طريقه.

التعليق