من هو الاجتماعي الحقيقي؟

تم نشره في السبت 13 كانون الأول / ديسمبر 2008. 09:00 صباحاً

12-12

نحميا شترسلر

هآرتس

في العالم المقلوب الذي نعيش فيه، يعتبر من يؤيد شبكة الامان "اجتماعيا جيدا" بينما يعتبر من يعارضها "فارسا من فرسان الرأسمالية". في العالم الهزلي الذي نحيا فيه، يقولون عمن يؤيد زيادة العجز في الميزانية انه شخص محب لمخلوقات الله، بينما يوصف من يبحث عن المسؤولية على مستوى الميزانية بالشرير سيء النوايا الممثل لاصحاب رأس المال.

عوفي عيني هو دائما القائد الافضل الذي يحرص على مصالح الضعفاء في العالم الخاضع للشعارات الرخيصة، بينما يقولون عن روني بار أون انه بخيل سيئ لا يحرص الا على نفسه فقط. ايهود اولمرت سيكون دائما سانتاكلوز الذي يوزع البلايين التي لا يمتلكها، اما رام بلينكوب المسؤول عن الميزانيات في وزارة المالية فسيبقى دائما "موظفا بائسا ووضيعا، ينهض في كل صباح فقط حتى يخطط كيف يسيء لنا اكثر فأكثر. في العالم السطحي الذي نعيش فيه، لا حاجة لتعلم أي شيء، او التعمق في أي شيء. كل واحد خبير كبير في كل مجال، وفي كل ميدان. وكلما قلت معرفته وقل فهمه، كلما استطاع أن يكتب ويعبر بصورة اكثر تطرفا لان الحقائق لا تقف في طريقه.

لنأخذ مثلا البروفيسور زئيف شترنهل، الذي تحول في الاسبوع الماضي الى مفكر كبير في سوق رأس المال والتقاعد. هو قرر بصورة قاطعة ("حكم الموظفين والمسؤولين" هآرتس – 5/12) ان شبكة الامان هي الخطوة الاجتماعية الصحيحة لانها تحمي تقاعد المعلمين والممرضات والاطباء والمحاضرين والعاملين في الرفاه الاجتماعي والعاملين في القطاع العام وعناصر الشرطة والعسكريين. شرير من امثالي فقط الذي هو من "فرسان الرأسمالية" كما يسميهم شترنهل، قادر على معارضة خطوة جيدة كهذه. هلموا بنا نتحقق من كونه اجتماعيا فعلا لنعرف من المدافع الحقيقي عن الرأسمالية في هذه الحالة.

"شبكة الامان" هي خطة هادفة الى تحويل الموارد ممن يجد صعوبة في انهاء شهره وليست لديه صناديق تقاعد، الى من توجد لديه صناديق تقاعد ويتمتع بوضع اقتصادي افضل. في اسرائيل اليوم 600 الف شخص لا يمتلكون صندوق تقاعد او توفيرات. ولكنهم هم الذين سيمولون من خلال الدفعات الضريبية صناديق التقاعد لمن يمتلكها. كل بليون شيكل سيوجه لتمويل شبكة الامان سيخصم من الاموال التي يمكن للاشخاص الاكثر ضعفا ان يحصلوا عليها من خلال ميزانية التربية والتعليم والصحة والرفاه الاجتماعي والبنى التحتية. وذلك لان الاقتصاد لا يحتوي على وجبات مجانية. اما الميزانية في المقابل فهي محدودة. التشويه الاجتماعي الثاني هو انه كلما كان لديك صندوق تقاعد اكبر كلما حصلت على حماية اكثر قيمة على حساب ميزانية الدولة. وثالثا وهذا الاساس في الواقع، ليست هناك أي حاجة لشبكة الامان. هي ليست عادلة ولا ملائمة. هي نكوص للوراء وهي سيئة.

الحقيقة هي أن كل من يمتلك صندوق تقاعد او مدخرات جديد خسر في السنة الاخيرة 18 في المائة من صندوق مدخراته و 11 في المائة من صندوق تقاعده الجديد. ولكن هذا لا شيء بالمقارنة مع الارباح المرتفعة التي راكمها طوال سنوات التوفير. لماذا يتوجب تعويضه عن الخسارة طالما أن احدا لم يمس ارباحه؟. صندوق هذا الشخص ما زال في حالة كسب كبيرة. لذلك من المثير للغضب سماع ثلة الساعين لاستمالة الرأي العام وهم يتحدثون فقط عن الخسائر من دون ان يذكروا بالمرة وضع الصناديق طوال عشرة اعوام او عشرين عاما او ثلاثين من الارباح الجميلة المتلاحقة.

شترنهل اعطى عدة نماذج للاجيرين الذين تضرروا بصورة صعبة. ولكن المعلمين يمتلكون تقاعدا من خزينة الدولة ولم يمسه أي ضرر حتى باغورة واحدة. ومثلهم ايضا الممرضات والاطباء الذين يشاركون في صناديق تقاعد قديمة لم تتضرر هي الاخرى. اما العاملين في الرفاه الاجتماعي منذ مدة طويلة فلديهم برامج ادخار قديمة تسمى "تأمين المديرين" والتي لم تتضرر هي الاخرى تقريبا. المعلمون في الجامعات يمتلكون تقاعدا يسمى مفعليت وهو لم يتضرر ايضا. ومحدد وفقا لراتبهم الاخير. اما كل العاملين في القطاع العام فلديهم تقاعد من خزينة الدولة كذلك الحال مع الشرطيين والعسكريين – يا ليتنا جميعا نمتلك تقاعدا مثل ذاك الذي يدفع لهم بدءا من سن الرابعة والاربعين.

أي أن شترنهل فعل عكس ما اراد: اراد ان يشتم ويلعن فخرج مباركا مهنئا. هو في الواقع اعطانا نموذجا عن الواقع الاسرائيلي الحقيقي الذي يوجد فيه لاغلبية الاجيرين المتقدمين في السن تقاعد لم يتضرر في واقع الامر.

المستقلون الذين لا يقول شترنهل عنهم كلمة واحدة هم الاقل حظا في واقع الامر. بعضهم اثرياء ولا يحتاجون للمساعدة بالمرة. والبعض الاخر يمتلك صناديق مدخرات فقط تضررت في هذه السنة ولكنها حصدت ارباحا جميلة طوال السنوات السابقة. لذلك تنتصب الحقيقة بسيطة واضحة: لا مكان لـ "شبكة الامان". هذه خطوة مضادة للمجتمع. وخطوة رجعية تزيد من الفجوات بين الشرائح الاجتماعية.

من الممكن ان نضيف هنا ايضا الاضرار التي تنجم عن شبكة الامان والتي تلحق بسوق رأس المال وتخصيص الموارد، والارتفاع المتوقع في المخاطرات والانحراف الخطير عن الميزانية المحددة. ولكن سنكتفي بالقضية الاجتماعية فقط. يجب أن يدركوا أن شبكة الامان ليست مخصصة لانقاذ الضعفاء. هي آتية لخدمة مصالح السياسيين عشية الانتخابات ومصالح الاقتصاديين الكبار والمصرفيين وشركات الاستثمار. هم الذين يضغطون على اولمرت من خلال عدد من المحامين المشاهير. وشترنهل لا يرغب بالتأكيد بالدفاع عن هؤلاء ايضا.

التعليق