"التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور" لحجازي: قراءة من الداخل

تم نشره في الاثنين 8 كانون الأول / ديسمبر 2008. 10:00 صباحاً

 

محمد جميل خضر

عمان- في كتابه "التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور" الصادرة طبعته العاشرة عن المركز الثقافي العربي في بيروت والدار البيضاء، يفتح الكاتب اللبناني د. مصطفى حجازي بابا واسعا حول مزيد من دراسات أكثر غوصا في خبايا الإنسان الخاضع لاشتراطات تخلف محيطه المجتمعي والاقتصادي والسياسي والعلمي والمعرفي.

ويشير عبر صفحات كتابه (البحثي) البالغة 253 صفحة من القطع الكبير، إلى أفق لم يُطرق كثيرا في مجمل الكتابات الغزيرة المتعلقة بالتخلف منذ مطالع خمسينيات القرن الماضي "نظرا لبروز ظاهرة الدول المستقلة حديثا" بحسب حجازي، وهو الإنسان المتخلف نفسه، الذي كما يرى الباحث "لم يعط الاهتمام نفسه الذي وُجّه إلى البنى الاقتصادية والسياسية والاجتماعية".

وهو ما أدى، كما يلحظ الباحث، إلى هدر جهد ووقت وإمكانات مادية في تبني مشاريع تنموية (طنانة)، استلهمت فيها تجارب الدول الصناعية، وجاءت خططها مستوردة عن نماذج طبقت ونجحت في تلك الدول، دون مراعاة خصوصية الإنسان المقهور، ومحاولة فهم (الأواليات) والاشتراطات النفسية والسيكولوجية لذلك الإنسان، وما تمثله تركيبته من فعل (قهر وتسلط)، ورد فعل (رضوخ أو تمرد).

وفي سياق إيضاحه لمبررات بحثه الذي جمعه في كتاب، يرى حجازي أن إنسان المجتمعات المتخلفة (أو ما أطلق عليه مجتمعات العالم الثالث)، لم ينظر إليه باعتباره عنصرا أساسيا ومحوريا في أي خطة تنموية. ويذهب إلى أن التنمية "مهما كان ميدانها"، تمس تغير الإنسان ونظرته إلى الأمور في المقام الأول. ويصل بناء على ما تقدم إلى نتيجة مفادها ضرورة وضع الأمور في إطارها البشري الصحيح، ودراسة خصائص الفئة السكانية التي يراد تطوير أنماط حياتها، ومعرفة بناها ودينامياتها، وهو ما "ندر الاهتمام به إلى الآن"، كما يؤكد حجازي.

ويخلص في إطار تقديمه لكتابه إلى القول: "لا بد من شمول النظرة من خلال الاهتمام في البعد الذاتي (الإنساني) إضافة إلى البعد الموضوعي (الاجتماعي والاقتصادي)، ومن خلال فهم العلاقة الجدلية بينهما، إذا أردنا السير على طريق يحالفها الحظ في إيصالنا إلى الهدف".

ويفرد حجازي في كتابه الذي شكّل علامة فاصلة في حقله، أدوات تشريحه السريري والتحليلي والنقدي على طاولة البحث والتناول الميداني التطبيقي المفصل، ويضع الشرائح المجتمعية، في لبنان على وجه الخصوص، والعالم العربي والنامي (الثالث) على وجه العموم، تحت مجهر الفحص الدقيق، فتنكشف له ثنايا وجود الإنسان المتخلف، وتكوينه النفسي، وتركيبه الذهني، وحياته اللاواعية، وهي التي تَبَيّن له أنها محكومة جميعها بالاعتباط والقهر وما يولدانه من قلق جذري، وانعدام شعور بالأمن، وإحساس بالعجز أمام المصير.

في إطار ما تقدم، يقسم الكاتب بحثه إلى قسمين رئيسيين: فيرسم الملامح النفسية الأساسية للإنسان المقهور في القسم الأول، ويخصص القسم الثاني لاستعراض أهم الأساليب الدفاعية التي يجابه بها وضعيته في تفاعلها وتناقضها وتغيرها. ليخلص بعد استيفائه حق القسمين عليه من البحث والتحليل والتفصيل، إلى أن حياة الإنسان المتخلف وممارساته وتطلعاته، هي "أبعد ما تكون عن العشوائية والتشتت اللذين يبدو أنهما تميزانها ظاهريا".

ويؤسس الباحث مادة كتابه (منهجيا) على الملاحظة والتحليل النفسي والاجتماعي للظواهر المعاشة، وهو ما يدخل، كما يوضح، في إطار علم النفس الاجتماعي العيادي، الذي يدرس الظواهر النفس اجتماعية بالطريقة العيادية.

ويحدد المؤلف في كتابه الشرائح التي يقصدها بالبحث والتحليل، إنها "الجماهير العفوية، غير المنظمة أو المؤطرة سياسيا، التي لم تتح لها ممارساتها الوصول إلى التعامل انطلاقا من الوعي بجدليته وموضوعيته".

ويبرر توجهه هذا بأن خصائص التخلف النفسية وأوالياته الدفاعية تظهر بأبرز صورها في نمط حياة الجماهير، وأسلوب توجهها ونظرتها إلى الكون، خصوصا في النسيج العلائقي الذي تنغرس فيه، دون أن ينفي وجود ملامح تخلف ذهني وانفعالي وعلائقي عند الفئات المنظمة والمؤطرة، بل حتى "العكس هو الصحيح في معظم الأحيان"، إذ يلاحظ الباحث تداخلا بين أعلى درجات التنظير الفكري، وأشد أشكال التخلف في الممارسة.

وعلى مدى فصول الكتاب ومكوناته، يحدد الكاتب التخلف ويعرفه بالاستناد إلى النظريات التي نشأت بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية (المرحلة التي ظهر فيها المصطلح)، ويستعرض طرق دراسة التخلف؛ السطحية والاقتصادية والاجتماعية. ويعاين المنظور النفساني للتخلف، ويتناول في الفصل الثاني "الخصائص النفسية للتخلف"، ومراحله: القهر والرضوخ، عقدتي النقص والعار، اضطراب الديمومة، الاضطهاد. ويحاول قراءة أبجديات التمرد والمجابهة التي يتبناها المجتمع وبالتالي الإنسان المتخلف، وهي في جوهرها مظاهر مجابهة تتحدد في الكفاح المسلح والاستجابة الحرجة (النهائية الاستشهادية) للقهر والتسلط، وفي المقاومة والتخلص من عقدة الخوف من الموت في سبيل حياة أكثر كرامة ومعنى وجدوى وتحرر. وتصبح القوة المستمدة من عنف مجابهة المتسلط رمزا للحياة نفسها.

ومن خلال السلاح، يحدث كما يرى حجازي، انقلاب جذري في الأدوار ويتحول الضعف إلى قوة.

ويبحث فصل الكتاب الثالث مفردات "العقلية المتخلفة"، وخصائصها الذهنية وعوامل تخلف العقلية.

ويفرد الباحث صفحات الفصل الرابع لموضوع "الحياة اللاواعية" ووجهها الخفي للتجربة الوجودية للإنسان، ومساعيها للإفلات التام من سيطرة الوعي والإرادة من ناحية، ومن شدة الضغط الذي تمارسه المكبوتات على أوجه النشاط الحياتي من ناحية ثانية.

وبعد المحاولة التشخيصية متعددة الوجوه والدلالات، يسعى حجازي في قسم كتابه الثاني إلى استجلاء الأساليب الدفاعية التي يتبناها الإنسان المتخلف (المقهور) في مواجهة ما أخل بتوازنه الوجودي وجعل حياته غير محتملة، وما ألم به من اعتباط وقهر ومس بالقيم الحميمة لديه في نظر نفسه وفي نظر الآخرين له.

ويرى الباحث أن "الانكفاء على الذات" هو أحد الأساليب الدفاعية التي يلجأ إليها الإنسان المقهور، بما يتضمنه هذا الانكفاء من تمسك بالتقاليد والرجوع إلى الماضي المجيد (السلفية)، ومن ذوبان في الجماعة وعلاقات دمجية ونشاط فمّي ووضعية اتكالية.

ومن الأساليب الدفاعية "التماهي بالمتسلط" وأحكامه وعدوانه وقيمه وأسلوبه الحياتي كما يذهب الفصل السادس في  الكتاب.

ويتناول الكتاب في فصله السابع "السيطرة الخرافية على المصير" كوسيلة دفاعية يرى فيها الإنسان المقهور مخلصا وحلا لمعضلاته، وتطال تلك السيطرة الخرافية الحاضر والمستقبل وشكل التعامل مع الأولياء ومقاماتهم وكراماتهم وموقفه من الجن والعفاريت والشيطان، وكذلك العلاقات العدائية والحسد والسحر وتأويل الأحلام وقراءة الطالع والعرافة والقدرية.

وللعنف، كوسيلة مجابهة متقدمة ومفصلية وحرجة، يفرد حجازي فصلا كاملا، يطالع فيه مظاهره، ويستجلي أشكاله العدوانية؛ المرتدة على الذات والموجهة إلى الخارج، ويحلل رمزيته، ويشخص السلوك الجانح والتوتر الوجودي والعلاقات الاضطهادية والتعصب والفاشية، ويستعرض النظريات النفسانية حول العدوانية والعنف، في محاولة لفهمه (العنف) في المجتمع المتخلف.

ويخصص حجازي الفصل التاسع في كتابه المهم، لبحث "وضعية المرأة" في المجتمعات المتخلفة، لأنها (أي المرأة) برأيه "أفصح الأمثلة على وضعية القهر بمختلف أوجهها ودينامياتها ودفاعاتها في المجتمع المتخلف".

ويخلص المؤلف في نهاية كتابه إلى أن الخصائص النفسية التي تميز الإنسان المتخلف وأوالياته الدفاعية، تشكّل، في كثير من الحالات، "عقبات جدية في وجه التغيير الاجتماعي، وتكوّن كوابح مهمة لمشاريع التنمية"، وهنا تحديدا كما يستنتج، يكمن خطرها.

ويضع هذه النتيجة كمبرر أساسي لبذل جهد كبير للأبحاث في هذا الميدان، "إذا أردنا لمشاريع التغيير والتطوير في مجتمعنا العربي أن تنطلق من أسس صلبة تحيط بالواقع وتتحكم بالقوى التي تحركه".

ويختم قائلا "وبذلك وحده يمكن للآمال التي نضعها، فيما نرسم من مخططات تنموية، أن تؤتي بعض أكلها".

وإذ يرى حجازي في كتابه مدخلا لدراسات أكثر شمولا وعمقا وتفصيلا، يأمل أن تلحق به وتواصل معه، فإن ما يؤخذ على كتاب الباحث د. مصطفى حجازي، حياديته العلمية المبالغ فيها، وسلبيته (الباردة) في تناول قضايا مصيرية تخص وطنه اللبناني وقوميته العربية، ما جعله يضع كل موجبات النضال والكفاح في بوتقة واحدة كمظاهر للتخلف وأشكال انفجارية عند الإنسان المقهور، دون أن يستثني دوافع تحرير الأوطان المسلوبة، والمقاومة المشروعة، من ذلك القالب البحثي الجامد.

فلم تكن فرنسا متخلفة ولا شعبها كذلك، عندما قاومت ببسالة ودون خوف من الموت، الاحتلال الألماني (النازي) لباريس ومدن فرنسية أخرى.

وفي سياق آخر لا يقتصر التعامل مع الغيب، واستلهام دور للشيطان، والخوف من الحسد والسحر، والتهافت على العرافين، ومحاولة تفسير الأحلام، إنسان المجتمعات المتخلفة، وهو ما تُرى مظاهر عديدة له عند أبناء العالميْن؛ الأول والثاني.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »رائع ممتاذة (عمر ادم ادم)

    السبت 6 آب / أغسطس 2016.
    التخلف الإجتماعي أخطر تخلف للإنسان