مقهى "بلاط الرشيد": شرفة ملونة مفتوحة على وسط البلد

تم نشره في الخميس 4 كانون الأول / ديسمبر 2008. 10:00 صباحاً
  • مقهى "بلاط الرشيد": شرفة ملونة مفتوحة على وسط البلد

غادة الشيخ

عمان - وسط البلد في يوم شتائي مشمس. الوقت ظهرا، وشارع الملك فيصل يعج بالناس الذين تتلقفهم السوق لأغراض شتى.

مقابل البنك العربي.. وتماما إلى جانب مخفر المدينة، يقبع مقهى صغير، يعرفه الجميع، ويميزونه بألوانه الزاهية الظاهرة من الشارع.

تأسس مقهى "بلاط الرشيد" الشعبي في العام 1924، كمكان للالتقاء والتباحث حول مجمل القضايا المطروحة في ذلك الحين، حين كانت وظيفة المقهى تتعدى الجانب الترفيهي، نحو الملتقى الثقافي والصالون السياسي، جامعا لكل التيارات السياسية.

يتميز المقهى بشرفته المطلة على شارع الملك فيصل، والمكسوة برسومات لكثير من أعلام دول العالم، كأسلوب لجذب السياح الذين يقصدون ذلك المقهى باستمرار، حسب ما أوضحه بسيوني، العامل في المقهى، والذي لا يتوانى عن خدمة زبائنه، فيما ابتسامة ودودة لا تفارق شفتيه عندما يقف عند كل طاولة، متناولا أطراف الحديث مع زبائنه الدائمين.

ومن على شرفة المقهى العتيق، تمسح عيناك منطقة وسط البلد، بينما الزقاق المجاور يضج بأصوات الباعة الذين يفردون بضائعهم أمام محلاتهم على البسطات الخشبية.

الطريق إلى المقهى صعودا يمر عبر سلم لولبي ضيق، فيما المكان مفعم برائحة (المعسل والنعناع) والقهوة الطازجة. وقبل أن تدلف داخل المقهى، لا بد أن يستقبلك صوت أم كلثوم الأليف للزبائن الدائمين، مرتفعا مع كل درجة تقود إلى الأعلى، وما أن تدخل الباب الصغير حتى تدرك أنك في مقهى "بلاط الرشيد".

السبعيني أبو خميس، يختار مكانه دائما قريبا من الزاوية المجاورة للشرفة. يجلس بهدوء وهو يحتسي كأسا من الحليب، كما اعتاد دائما أن يفعل منذ أكثر من أربعين عاما، إضافة إلى رفيقته التي لا يستغني عنها: الأرجيلة.

يقول أبو خميس أنه اعتاد أن يقصد ذلك المقهى منذ العام 1960 رغم أنه يسكن في المقابلين البعيدة نسبيا عن منطقة وسط البلد. ويضيف "بلاط الرشيد ما يزال يحتفظ بسحره وجاذبيته برغم كل المتغيرات خلال سنوات عمره الطويل".

الأمر نفسه يؤكده بسيوني، الذي يرى أنه وعلى الرغم من انتشار المقاهي ذات الطراز الحديث والخدمات المتنوعة، إلا أن "بلاط الرشيد" ما يزال المفضل عند شريحة واسعة، وأنه يتمتع بجاذبيته الخاصة.

ويؤكد أن علاقة من نوع ما تولدت بين المكان وبين زبائنه، ليس من كبار السن فقط، بل من مختلف الفئات العمرية الأخرى، ومن كلا الجنسين، اضافة الى أن المقهى يعتبر مفضلا لدى جنسيات الأخرى مثل نزيه قطيش (50 عاما) السوري الجنسية.

قطيش يقول أن "كلمة الرشيد في حد ذاتها تحمل طعما خاصا"، مبينا أنها تحرك حسا قوميا في داخلنا، تجعلنا نتذكر تراثنا وعراقتنا وتخدم قيمنا ولا تمحي هويتنا الأساسية. ويضيف "المكان فيه أصالة تجعلنا نتمسك به أكثر".

في ركن آخر من المقهى كان هناك سائحان فرنسيان يلعبان "الشطرنج". كانا مبهورين بالمكان، ويصفان أنه يدعو إلى الشعور بالراحة، ويعكس صورة عن التراث العربي الأردني ببساطته وكرم ضيافته. وأكدا أنهما سمعا عن هذا المكان من قبل أصدقائهما الذين زاروه من قبل.

ما يميز "بلاط الرشيد"، بحسب زبائنه، أسعاره الزهيدة، مبينين أنه يقدم الخدمات نفسها الموجودة في مقاهي الخمس نجوم، ما يساعد على استقطاب الزبائن من مختلف الفئات الاجتماعية، متوحدين في شرب القهوة وتدخين الأرجيلة مع اختلاف مستوياتهم المالية.

كتاب وصحافيون وشعراء وأصحاب رؤوس اموال، إضافة الى طلاب وعاملين وعاطلين عن العمل جميعهم يستقبلهم مكان واحد، وعادات تكاد تكون موحدة.

محمد الشاويش يقصد "بلاط الرشيد" بشكل شبه يومي في فترة استراحته، فهو اعتاد قراءة الصحيفة، وشرب كأس من الشاي تنسيه تعب ما مر به منذ الصباح.

ويقول إنه يقصد المقهى في فترة المساء أيضا ليجتمع مع أصدقائه، مبينا أن "المكان متنفس وحيد لهم"، وأنهم يتناولون أطراف الحديث فيه، ويتبادلون آراءهم واهتماماتهم.

المساء في "بلاط الرشيد" له سحره الخاص، بحسب زبائنه، حيث تشهد الفترة إقبالا أكبر من الفترة الصباحية، وتكون الطاولات مكتظة بسبب قدوم الزبائن بعد انتهاء أعمالهم.

أصوات الرجال تعلو بالجدل؛ القضايا السياسية والثقافية دائما مثار بحث على طاولة أو أكثر من المقهى، لعلها ميزة أخرى للمقهى الذي سكن الوجدان العماني، وصار علامة للتاريخ الذي استضافه بين جدرانه.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »عمل مبدع (نادر ابوعرقوب)

    الجمعة 5 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    استمري في هذا الاداء المتميز اميلين منك ان تتناولي قضايا اجتماعيه تعكس صورة عن المجتمع الاردني
  • »عمل مبدع (نادر ابوعرقوب)

    الخميس 4 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    استمري في هذا الاداء المتميز اميلين منك ان تتناولي قضايا اجتماعيه تعكس صورة عن المجتمع الاردني