"مهرجان المخرجات الفلسطينيات تحت الاحتلال" ينهي عروضة بفيلمي "ما تبقى لكم" و "الطريق الى البيت"

تم نشره في الخميس 4 كانون الأول / ديسمبر 2008. 10:00 صباحاً

محمد جميل خضر

عمان- بفيلميْ "ما تبقى لكم" لندى اليسير و"الطريق إلى البيت" لغادة الطيراوي، اختتمت مؤسسة خالد شومان- دارة الفنون مساء أول من أمس الجزء الرابع والأخير من "مهرجان المخرجات الفلسطينيات تحت الاحتلال" الذي قُدم على مدار شهر تحت عنوان "النكبة والعودة".

وتناول الفيلم الوثائقي "ما تبقى لكم" المنتج في العام 2005 في 52 دقيقة عرض  تفاصيل صراع بدو النقب للصمود على أرضهم، وعاين تداعيات هذا الصراع في ظل سياسات دولة إسرائيل التي تهدف الى سلب الفلسطينيين ما تبقى من أرضهم وإنهاء وجودهم الحياتي والإنساني الى الأبد.

وكانت مخرجة الفيلم الفلسطينية النصراوية ندى اليسير نالت جائزة في الدورة الثانية من مهرجان شاشات الذي يقام سنوياً في مدينة رام الله، لجملة أعمالها التي تتعلق بالحفاظ على الهوية الفلسطينية.

وتطرقت المخرجة غادة الطيراوي إلى "حلم" فلسطين في فيلمها الجديد "الطريق إلى البيت" المنتج العام 2006 في 33 دقيقة عرض.

وبعد أكثر من نصف قرن من اللجوء، لا يزال الوطن بمختلف تفاصيله حاضراً في ذاكرة أبو نزار ووعيه في فيلم الطيراوي، ولا تزال قساوة المنفى جزاً من شخصيته.  كما يواصل حسني الفنان التشكيلي في الفيلم بحثه الدائم عن التوافق مع المكان. منيرة، الممثلة المسرحية، مصممة على أن تكون جزءاً من مختلف التفاصيل اليومية للوطن، رافضة أن تكون على الهامش. وعرفات الشاب لا يزال الوطن لديه حلماً رومانسياً مفعماً برائحة برتقال يافا. ما يجعل فيلم "الطريق إلى البيت" بمثابة رحلة من فضاء الوطن الحلم إلى واقع الوطن.

وأثار الفيلم الذي يمثل محاولة شخصية من قبل المخرجة لمعالجة مفاهيم وجودية تخص الفلسطينيين، كالمنفى والعودة وصورة الوطن، عدة تساؤلات لدى جمهور دارة الفنون حول معنى الوطن وحلم العودة إليه وواقع الناس في ربوعه.

وكانت الطيراوي ذكرت في تصريحات صحافية سابقة أن الصورة التي رسمتها عن الوطن في فضاء الحلم هي غير الواقع المعاش في الوطن.

وتنوعت المستويات المضمونية والتعبيرية المستخدمة في الفيلم الذي يروي قصة الشتات الفلسطيني والحرمان من الهوية.

وتكمن قيمة الفيلم في مسار السينما الفلسطينية، بكونه من أوائل الأفلام التي تتناول قضية العائدين، وتطرح همومهم وأحلامهم دون مواربة.

وعرضت خلال "مهرجان المخرجات الفلسطينيات تحت الاحتلال" الذي انطلقت فعالياته مطلع تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي بأفلام عديدة قدمتها مخرجات فلسطينيات من مناطق السلطة الفلسطينية ومن فلسطين المحتلة في العام 1948.

وعرضت في جزء المهرجان الأول أربعة أفلام هي: "أربع أغان لفلسطين" للمخرجة ندى اليسير، وفيلم "هاي مش عيشة" لعلياء أرصغلي، و"أتمنى" لشيرين دعيبس وفيلم بعنوان "كرة وعلبة ألوان" للمخرجة ليانا صالح.

وتناول الفيلم الاول الذي حمل عنوان "أربع أغان لفلسطين" للمخرجة ندى اليسير قصة امرأة فلسطينية تعيش وحدها مع طفلها الرضيع بعد أن استشهد زوجها في الانتفاضة، حيث ينقسم الفيلم ذو الاثنتا عشرة دقيقة إلى 4 مشاهد كل مشهد يتحدث عن شيء مختلف يسيطر عليها اللون الأحمر والأسود والأخضر والأبيض؛ ألوان العلم الفلسطيني ولتدور القصة في البيت دون الخروج إلى الشارع حيث بدا واضحا قلق المرأة جراء المناوشات بين الفلسطينيين والجنود الإسرائيليين في انتفاضة العام 2000.

ودرست المخرجة ندى اليسير في بريطانيا وكندا، وهي حاصلة على شهادة الدكتوراه في فيسيولوجيا الأعصاب، وسبق وأن عملت في مجال الإذاعة وفي مؤسسات غير حكومية قبل عودتها لتدرس السينما في جامعة رايرسون الكندية، كما تدربت اليسير على يد إحدى أفضل العاملات في مونتاج الأفلام الوثائقية في كندا كاثي غلكين وعملت أيضا كمخرجة وكاتبة ومونتيرة منذ ذلك الحين ولتستقر في مدينة الناصرة الفلسطينية حاليا.

الفيلم الثاني ومن 42 دقيقة من إنتاج العام 2001، جاء بعنوان "هاي مش عيشة" لمخرجته علياء ارصغلي وهو عبارة عن مشاهد حية للانتفاضة الفلسطينية الثانية، حيث اعتمدت من خلاله المخرجة إبراز شهادات أناس عاصروا هذه الانتفاضة بكل مآسيها ومشاكلها والخوف الذي كانت تحدثه القوات الإسرائيلية في نفوس الشعب الفلسطيني مع القتل والتدمير والاعتقالات والاغتيالات المتكررة.

المخرجة والباحثة والناقدة السينمائية علياء أرصغلي تدير مؤسسة "شاشات" و"مهرجان شاشات لسينما المرأة في فلسطين" للسنة الرابعة على التوالي، حيث كانت أرصغلي قد شاركت في لجان تحكيم متعددة وقامت بترجمة وتحرير "شاشات الحياة: كتابات نقدية حول السينما العربية" وهو الكتاب الذي تزامن صدوره مع الاحتفال بمئوية السينما العربية في مركز "جمعية لنكولن للسينما" بنيويورك كما درست مساقات جامعية متخصصة بتحليل اللغة السينمائية وعملت خبيرة ومديرة لمشاريع دولية تتعلق بقضايا الإعلام والمرأة.

واشتمل المهرجان أيضا على عرض لفيلم "أتمنى" القصير للمخرجة شيرين دعيبس حيث يروي قصة مريم ذات الأحد عشر ربيعا، التي تعيش بمفردها مع أمها وأختها الصغيرة، وتصمم على شراء كعكة للاحتفال بها.

وحيث إن مريم لا تملك المبلغ الكافي لشراء الكعكة، تلجأ لشراء بعض الحلوى وبيعها في الطرقات لكسب ربح أكثر. بيد أن الخطة تفشل، ثم تلجأ لطلب النقود من المارة بدعوى معالجة أختها الصغرى، على أنها عمياء لتحقق بذاك مبلغا كافيا وتعود لشراء الكعكة، وكانت أم مريم خلال ذلك الوقت قد ساورتها الكوابيس بشأن ابنتها، لتعود مريم إلى المنزل في وقت متأخر من الليل وتوبخها أمها وتسقط قالب الحلوى من يدها، لتكون المفاجأة أن قالب الحلوى كان لوالد مريم المتوفى.

واختتمت عروض الجزء الأول بفيلم بعنوان "كرة وعلبة ألوان" للمخرجة ليانا صالح والذي جاء في 22 دقيقة ومن إنتاج العام 2004، حيث يتناول الفيلم قصة 3 أطفال فلسطينيين، أولهم كانت هوايته كرة القدم، وقد اقترح على صديقه تنظيف قطعة أرض لتحويلها إلى ملعب لممارسة هوايته المفضلة، إلا أن صديقه حذره من أن قوات الاحتلال التي ستحول حلمه إلى سراب لأنه بمجرد تنظيف قطعة الأرض ستأتي دوريات الاحتلال لتجريفها.

ولم ينل هذا التحذير من عزيمة الطفل الذي يحلم بأن يصبح لاعب كرة قدم مشهورا دوليا، حيث أصر على تنظيف الأرض بنفسه لتحويلها لملعب لممارسة كرة القدم، رغم علمه بأن القوات الإسرائيلية لا تترك قطعة أرض إلا وتسعى لتجريفها، حتى لو كانت مساحة صغيرة يلهو فيها أطفال فلسطينيون بكرة القدم.

ويحلم الطفل الثاني بأن يصبح يوما ما طيارا، وإلى أن يتحقق هذا الحلم يرضي نفسه بصناعة طائرة ورقية، يكون لونها لون العلم الفلسطيني، ويطلق هذا الطفل طائرته الورقية فتحلق عاليا لتتجاوز في علوها حواجز جدار الفصل العنصري وحواجز الاحتلال.

أما الشخصية الثالثة فلفتاة فلسطينية تهوى الرسم، ولكنها لا تجد إلا اللون الأسود لترسم به، في إشارة إلى واقع الفلسطينيين المرير تحت الاحتلال.

ويتفق الولدان على إخراج هذه الطفلة من جو الحزن والمعاناة الذي تعيشه فيشتريان لها علبة ألوان، ويشجعانها على الرسم، في إشارة إلى تمسك الفلسطينيين بالأمل رغم المعاناة.

وولدت المخرجة ليانا صالح في رام الله العام 1987، وبدأت مشوارها السينمائي مبكرا بإخراج هذا الفيلم الروائي القصير الذي حاز على جائزة أفضل فيلم طلابي في مهرجان نيويورك للأفلام المستقلة العام 2004، بالإضافة إلى تكريمه في مهرجان الجزيرة للإنتاج التلفزيوني الأول ليكون فيلم الافتتاح، كما تقيم حاليا في العاصمة الفرنسية باريس لإتمام دراستها الجامعية في مجال الإخراج السينمائي.

 وكان مهرجان"شاشات" الذي أقيمت دورته الثانية في رام الله الشهر الماضي كرّم في ختام فعاليات دورته الثانية المخرجات الفلسطينيات اللواتي شاركن في مهرجان هذا العام، وهن: إيناس المظفر، ديمة أبو غوش، روان الفقيه، شيرين سلامة، علياء ارصغلي، غادة الطيراوي، لاريسا صنصور، ليانة بدر، ليانا صالح، ناهد عواد، نجوى النجار، ندى اليسير.

وعرض في الحفل فيلم "آخر أيام ياسر عرفات"، (77 دقيقة، 2006)، للمخرجة شيرين سلامة، الأسترالية من أصل فلسطيني، التي توجهت الى رام الله في العام 2003، من أجل الحصول على سيرة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات لأهميتها. ولكن محاولاتها للقاء عرفات باءت بالفشل.

شيرين أعادت الكرّة في السنة التالية. وبعد شهرين من الانتظار حصلت على الموافقة وقابلت عرفات، لمدة 20 دقيقة، والتي أصبحت بحكم القدر، آخر مقابلة أجراها عرفات. في هذه المقابلة يستفسر الرئيس الراحل عن أهل شيرين، وجذورها الفلسطينية وتواصلها مع هويتها. وفي الفيلم نرى محاولة المخرجة سلامة التعرف على هويتها الفلسطينية ومعنى اللحظة التاريخية التي تشارك فيها شعبها همومه ومآسيه.

في الأيام التي تلت المقابلة، وبينما عرفات على فراش المرض، تسجل شيرين كل ما يحدث في المقاطعة – الجو المتأزم، البيانات المتناقضة من المحيطين به، جشع وسائل الإعلام الدولية، وحزن وقلق المواطنين الفلسطينيين. ويعتبر هذا الفيلم الذي يحظى الآن باهتمام عالٍ من محطات التلفزة الدولية، توثيق مهم للجو الفلسطيني العام خلال أيام عرفات الأخيرة. وقد أنتج الفيلم من قبل التلفزيون الأسترالي.

الفيلم يتميز بالحميمية والعمق، في محاولة لتأريخ هذه الأحداث التاريخية لحظة حصولها. وقد ميز هذا التفاعل السينمائي مع التاريخ الحديث للوطن، معظم الافلام التي عرضتها مؤسسة "شاشات" في اختتام مهرجانها الثاني "سينما المرأة في فلسطين" لمخرجات فلسطينيات وعربيات. وقد أثارت الأفلام نقاشاً وحوارا مستفيضاً بين الجمهور والمخرجات حول الهوية والوطن، وخصوصاً في ما يتعلق برؤية المرأة المخرجة للتاريخ المركب، والبعيد عن الشعارات، في محاولة لاستكشاف معنى الهوية والوطن، وإمكانيات اللغة السينمائية في التعبير عن قضايا جوهرية تمتزج فيها العوالم الداخلية للمخرجات مع الهم العام الذي يتعرضن له في أفلامهن.

التعليق