الشعر يقاوم التفسير ولكنه مفهوم بشكل جيد

تم نشره في الجمعة 28 تشرين الثاني / نوفمبر 2008. 10:00 صباحاً

ما الذي يمكن تصنيفه أميركيا في الشعر الأميركي؟

ترجمة: موفق ملكاوي

 عمان- يدين الشعر الأميركي في وجوده إلى تعاويذ الأميركيين الأصليين وصلواتهم، وأغاني العبيد الأفريقيين، كما هو الحال في كتابات ويتمان وديكنسن ووليامز وفروست.

والذي يميّز الشعر الأميركي في رأيي هو تضمينيته العالية، واحتفاؤه الغني بالأصوات، والعامل الأهم هو محافظته على التقاليد.

الشعر الأميركي جديد، وفي الوقت نفسه قديم جدا؛ فهو لم يخترع حتى الآن، كما أنه قديم قدم "السوناته".

في النهاية، الشعر الأميركي مثل أيّ شعر آخر، هو لغة عالمية يتخاطب بها البشر جميعهم: السود والبيض، الأميركيون واللاتينيون والآسيويون، المسلمون والمسيحيون واليهود، الإناث والذكور، جميعهم يمكن أن يلتقوا في هذه اللغة.

أنا أعتبر نفسي شاعرا أميركيا، لأنني مغفل وهجين، ولدت في نيوجيرسي، ولكن الحمل تمّ في كوبا وإيطاليا، كاثوليكي بإيمان فطري, وطبيب هارفارد المتعلّم الذي يَصِفُ شِعْرَ (نوييراكان) جنبا إلى جنب مع الدواء في الوصفة العلاجية، وهو نفسه الذي يتعلّم حول فيروس الإيدز باللغة الإسبانية، ويكتب villanelles باللغة الإنجليزية.

أنا شاعر أميركي قرأ تي إس إليوت وجيرترود شتاين، وديريك وولكوت، وايفان بولاند، وتوم غان، بمتعة كبيرة، بقدر التي حصلت عليها عند قراءة وولت ويتمان وإميلي ديكنسن.

هل هناك وسط آخر يمكن فيه لطبيب أميركي من أصل كوبي مثلي؛ طفل من المهاجرين غير الناطقين بالإنجليزية، أن يجد مثل هذا الترحيب، والفرصة الكاملة للتعبير؟!

أحيانا أنا أخرق بكل تأكيد، أو عاطفي جدا، أو سياسي بشكل شديد وحاد، وأفترض أن مثل هذه الوجوه هي محاولة مني لتمثل الأمّة الحرّة التي جعلت وجودي ممكنا، وتتساءل الآن ما العمل معي.

حتى عندما أجلس لكتابة هذا الردّ على سؤال "ما هو الأميركي في الشعر الأميركي؟"، فإنني يجب أن أستجوب سلطتي الخاصة: أدرك أن الجواب الحقيقي يكمن في مجموع الإجابات الكثيرة على السؤال نفسه: في محادثة لاتنتهي بين مارلين هاكار وروبرت بينسكي، أو بين تايلياس موس وريتشارد هاوارد، أو يوسف كامونياكا ومارتين سبادا وهايدن كاروث، أو جوليا الفاريز وماري أوليفير ولويز غلوك.

أعتبر نفسي محظوظا لأن أكون شاعرا أميركيا، فعلى الرغم من الجهود المضنية التي تنصب على عملية مراقبتي، أجد هناك دائما في هذه البلاد مثالية في حرية التعبير؛ إعلانات واقيات جنسية على التلفزيون، وشرح تنظيف الإبر عند أخذ جرعات المخدرات لمنع انتقال فيروس الإيدز، أو أدوية منقذة لحياة المصابين في كوبا أو العراق. مثل هذه الإمكانيات المتطرفة تتبلور في شكل القصيدة التي لا يمكن أن تسحق.

وعلى الرغم من الجهود التي تبذل لإبعاد المهاجرين، أو لاستغلال الضعفاء، نجد هنا في الولايات المتحدة المعايير الحقيقي للحرية: رحلة عائلتي البحرية إلى أميركا، الكفاح من أجل نيل الشواذ من الرجال والنساء حقوقا متساوية، وغيرها من الأمثلة.

ستشتمل قصيدتي التي سأكتبها غدا على كوني محظوظا جدا لأن تقليدي من الشعر الأميركي يتضمّن نشطاء باسلين مثل غينسبيرغ، ومعالجين نشيطين مثل وليامز، وأتمنى فقط بأن مستقبل الشعر الأميركي يمكن أن يلتزم بأمثلتهما الشجاعة، حيث سياسة الشعر نفسها يمكن أن توضع جانبا، كالنقاش ضيّق الأفق حول شكل القصيدة التقليدية مقابل الشعر الحر على سبيل المثال، أو الفكرة المصنعة حول "الصواب السياسي".

ما هو الأميركي في شكل الشعر الأميركي؟

الشكل الشعري الأميركي مثل أميركا نفسها: ديمقراطي بشكل شامل، ولذلك فهو مليء بالتناقضات اللذيذة والحجج التي لا يمكن هضمها.

يعود شكل الشعر الأميركي إلى تعويذات الأميركيين الأصليين وأغاني العبيد الأفريقيين، والذين لهم تعابير اليوم في أعمال أدريان لويس، جوي هاريو، تايلاس موس، دايان غلانسي، ويوسف كومونياكا.

مثل هذه الأنماط من التعابير تسبق بالتأكيد تلك الأشكال الشعرية التي أخذناها من الأشعار الأوروبية، مثل البريطانية أو الأخرى، والتي اعتبرت ولمدة طويلة حجر الأساس التقليدي للشعر الأميركي.

وتظهر هذه الأشكال والأنماط والقوافي في أعمال الشعراء الأميركيين الأوائل: رالف والدو إيمرسين، هنري ويدسورث لونغفيللو، آن برادستريت، ولاحقا في أعمال روبرت فروست، إليزابيث بيشوب، وجيمس ميريل.

وحتى الوقت الحاضر فإن تلك الأشكال لم تغب عن الشعر الأميركي الحديث، وذلك من خلال أعمال مارلين هاكار، كارولين كيزار، ريتشارد ويلبر، ماكسين كومين، هايدين كاروث، ورايتشيل هاداس.

وعلى الرغم من جماليات إبداعاتهم المختلفة والمتفاوتة، إلا أنه لا أحد يستطيع طرح سؤال: أي من أولئك الشعراء أميركي أكثر من الآخرين؟، ذلك لأن نهايات أعمالهم متشابهة، مثلها في ذلك مثل معظم أصولهم الأساسية.

نحن نقول إن كل أولئك الشعراء هم من الشعراء الأميركيين المتفردين، وذلك بسبب النوعية العالمية للأشكال الشعرية المختلفة التي يستخدمونها، والذي في النهاية ينتظم برابط عاطفي من الفعل ذاته من الإدراك، سواء كان في الصوت المألوف لنبض القلب، أو في الهبوط الحاد بين المقاطع الشعرية، أو في التنقل الغني للنص.

 

ما يظهر أنه أميركي الشكل بوضوح في الأعمال الشعرية، هو إبداعات أربعة من الشعراء، هم: أميلي ديكنسن، والت وايتمان، وليام كارلوس وليامز، وألين غينسبيرغ، فالمعنى يقفز هنا من المسكوت عنه، وليس

مما قيل.

كل ما يحويه الشعر من البادرة واللمحة الانعكاسية والقافية والفواصل، وغيرها، تمثل خط اتصال بين الشاعر والقارئ الذي يعرف أن الشعر يقاوم التفسير، ولكنه مفهوم بشكل جيد.

إن تجديد ديكنسن الرائع للأشكال المستلهمة من كتب تراتيل الكنيسة، شدّ الفضاء التخيلي نحو الامتدادات اللانهائية لمواضيع الفناء والمعاناة الإنسانية، مطلقة بذلك ما يمكن تسميته "الخيال الإحساسي" الذي يدعو القارئ لأن يكون حاضرا في لحظة الإيحاء، ومشاركا في عملية الخلق، وهي حالة يمكن حدوثها في أميركا فقط؛ البلاد التي ما تزال تبحث عن بداياتها، وستظل كذلك إلى الأبد.

ويتمان الذي تخيّل الشكل الشعري على نحو أكثر وضوحا، استخدمه ليشرّع ذلك الاندفاع نفسه من أجل الامتداد إلى خارج النفس في خطوط طويلة تكفي للدخول إلى وعي قرّائه واسعي الانتشار.

وليامز مبتكر أميركي عظيم آخر على صعيد استعمال الشكل، لقد قام بكشف سرّ فهم النفس في اللحظة التي بدت فيها الخبرة التقنية الأميركية قادرة على توضيح كلّ شيء بالنيابة عنا.

وعند اللحظة التي بدا فيها أن الشكل الأميركي قد دفع إلى أقصى حدود يمكن الوصول إليها، أشعلت غينسبيرغ النار وتركت البناء القديم متحولة عنه.

هؤلاء الشعراء الأربعة بطرقهم وصوفيتهم ومعالجاتهم ونشاطهم، أعطوا صوتا ضروريا لخيال العقل الأميركي المستند على التنويع في الأمة، والحاجة لفهم إنسانية الآخر.

إن تعدّد الأشكال هو فقط ما يمكن اعتباره أميركيا صرفا، وهو ما يمكن البناء عليه لشعر أميركي مختلف تماما.

ليس مفاجئا بأن هؤلاء الشعراء الأربعة يمثلون أيضا هويّاتنا المختلفة كأشخاص أميركيين؛ الذكر والأنثى، المستقيم والشاذ، الملحد والمؤمن، إنهم متنوعون مثلما هو الشعب الأميركي اليوم.

إن الضغوط التي تمت ممارستها ضدّ الأشكال المختارة لهؤلاء الشعراء في زمانهم، مشابهة لتلك التي يواجهها الشعراء الأميركان اليوم، وهي تقوم بصناعة مجال واسع ومثير وغني للجدل والنقاش.

عن نفسي، فأنا أفترض بأنني حاضر في عدد من التقاطعات بين الشكل والهوية: كأميركي لاتيني ثنائي اللغة، أتساءل عن جهودي لمحاولة جعل الصوت الإنجليزي أكثر قبولا عندي، وكإسباني موسيقي أصلا، أحاول أن أستردّ أغاني أسلافي من منشدي الغجر، وكطبيب فإنني أدمج وصفة العلاج مع الشعر.

الأشكال التي أختارها ليست تعبيرا سياسيا، مثلما هي عند بعضهم، الذين ما يزالون متوحلين في النقاش العقيم حول "الشعر الحر مقابل الشكل التقليدي". إنني أنظر إلى تنوع الأشكال والتراكيب كفرص أكبر لتفخيم ما أود قوله بالكلمات المجرّدة، أو لتصفيف لغتي بالإمكانيات العاطفية.

 * رافائيل كامبو: شاعر أميركي من أصل كوبي، والمقال عبارة عن شهادة حول خصوصية الشعر الأميركي، مقدمة إلى موقع "مجتمع شعر". http://www.poetrysociety.org

التعليق