حبايب: الكتابة كائن لا يتوقف عن طرح التساؤلات وركوب الخيال المتهور

تم نشره في الجمعة 28 تشرين الثاني / نوفمبر 2008. 09:00 صباحاً
  • حبايب: الكتابة كائن لا يتوقف عن طرح التساؤلات وركوب الخيال المتهور

روائية أردنية ترى أن الإبداع يهجس بالفضح أيا كان نوعه

 

عزيزة علي

عمان- ترى القاصة والروائية حزامة حبايب أن فعل الكتابة لديها هو "فعل الحرية غير المقننة وغير المزوّقة أو المهجنّة". وتؤكد أنها من خلال الكتابة تتحول إلى "كائن لا يتوقف عن طرح التساؤلات، وركوب الخيال المتهور".

وتضيف المولودة في الكويت إن كتابة الجسد هي "محاولة أن نرى ما يتعيّن علينا أن نراه، لا ما يُفترض أن نراه".

وأصدرت حزامة أربع مجموعات قصصية: "الرجل الذي يتكرر" 1992، "التفاحات البعيدة" 1994، "شكل للغياب" 1997، "ليل أحلى" 2001، ورواية "أصل الهوى" في العام 2007.

حزامة حبايب في الحوار التالي مع "الغد" تكشف عن خصوصية الكتابة، وكتابة الجسد، إضافة إلى الرقابة التي ما تزال تهيمن على صناعة الكتاب، وعلى الإبداع في العالم العربي.

- ماذا يعني لك فعل الكتابة؟ وكم تلامس كتابتك حياتك؟

بالكتابة، أكون أنا ما أنا عليه. أكون أنا ما أريد أن أكون عليه؛ كائناً لا يتوقف عن طرح التساؤلات، وركوب الخيال المتهور، وتحطيم النماذج المكرَّسة من دون أدنى شعور بالذنب. بالكتابة، أصبح أرقّ روحاً، أكثر حُباً وتسامحاً وتهذيباً، أقل عنفاً ونزوعاً نحو فعل إجرامي ما. في داخلي شحنة كبيرة من العنف. لو لم أكتب يقيناً لقتلتُ. في مرات الجدب الحكائي أو النثري التي تغزو حقباً متفرقة من حياتي، أخشى من نفسي، أخشى من أفكاري العنيفة وما قد تقودني إليه؛ ذلك أني أكون مؤهلة جداً لارتكاب جريمة قتل، أخطط لها في عقلي وأهندس لها في المناطق المظلمة من خيالي المتوحش، مستعيرة مشاهد الدماء المرشومة على الجدران في أفلام الرعب غير المبتذلة تماماً، ثم تأتي الكتابة فجأة كنوع من الخلاص.. لكنه خلاص مؤقت.أنا أكتب لنفسي.

- الجزء الأول من روايتك "أصل الهوى" أطلق عليه الناقد وليد أبو بكر "المرحلة المبكرة للشخصيات"، ألا ترين أن هذه المرحلة كان يمكن اختصارها، وتقديمها بشكل مختلف، حيث أنها مغرقة في الوصف الجنسي؟

مسألة الاختصار أو تقديم المرحلة بشكل "مختلف"، قد لا يكون أفضل بالضرورة، مسألة أعتقد أنها "تقنية" لجهة التقييم النقدي. من وجهة نظري، ككاتبة هي مسألة "نفسية" تتخطى الإطار التقني.

أنا لا أكتب ضمن "مقاسات" مرئية أو محددة سلفاً ضمن قصدية لا أقرّها؛ "مقاساتي" هي خلاصة مزيج الوعي واللاوعي، المُدرك وغير المدرك، المحسوس والهُلامي، هي شعوري بالأشياء والكائنات وما يدخل في تشكيلها. الجنس هنا لا يسعى إلى تنميط الجسد أو الاحتفاء به، وإذا ما تبدت الكتابة في بعض جوانبها "تشريحية"، و"تعروية"، فلأنها تروم سبر الذات من خلال استقصاء علاقة الذات بالجسد، نحن مقيمون في أجسادنا كما أننا مقيمون في أرواحنا. نحن أقرب ما نكون إلى أنفسنا حين نستنطق أجسادنا. لا أعرف أين المشكلة في "الغرق في الوصف الجنسي"، طالما أن بلوغ القاع، قاع محيط الجسد والروح، يجعلنا نبلغ أصدافاً ننتشل من جوفها حقائق مثيرة وأوهاما أكثر إثارة!

- كم استغرقت منك نسج روايتك؟ وما هي الحالة التي عشتها أثناء كتابتها؟

ما بين ولادة الإحساس بالحكاية والتخطيط ووضع مخطط أولي ثم مخطط ثانٍ، فعاشر، فبناء وإعادة بناء، فخلق وإعدام، فحياة وموت، والأهم عيش الفكرة كنواة ومن ثم صوغ الأحداث والنمو معها ووسطها جنباً إلى جنب مع تبلور الشخصيات في عقلي قبل أن تتحرر مني لتكوّن كياناتها القائمة بذاتها.

أعتقد أن العملية استغرقت نحو أربعة أعوام، عشتُ خلالها تاريخاً طويلاً، عَذْباً ومُعذِّباً في الوقت نفسه. كان ثمة قدر هائل وعظيم من الأحاسيس التي تعبّأ بها جسدي وروحي. بقدر ما استمتعت بالأفكار التي كانت تضيء في كياني، بقدر ما تألمت وتوجعت. في ليال كثيرة، كنتُ أنهار فوق ورقة الكمبيوتر التي تمتلئ على مهل حيناً وتكتظ بسرعة أحياناً أخرى، فكنت أنهض متعبة، مرهقة، مستهلكة، بإعياء تام يستوطن جسدي. في مرات كثيرة، كنت أزحف إلى السرير زحفاً، متهاوية من الاستنزاف الكلي، ومع ذلك كانت ثمة متعة ما غير مفهومة، غامضة، استشعرتها دون أن أضع يدي عليها، تملكتني وأنا أنسج الحياة، طبقات من الحياة، إذ تتداخل، تتقاطع، وتتوازى.

- وماذا تقولين عن منعها؟

لم يكن قرار المنع بحد ذاته مفاجئاً، بقدر الملابسات التي انطوت عليها العملية برمّتها، وهي ملابسات عكست قدراً كبيراً من التخبّط والفوضى والتيه والتأرجح بين خطاب إعلامي دعائي يتبجح بدعم الحريات العامة، على رأسها حرية الرأي والكتابة، بينما الواقع يشير إلى غياب أي قدر من التسامح الفكري والإصرار على حصار الفكر وتقنين الحريات ومصادرة القلم واختلاق تابوهات تحت ذرائع واهية، تنطلق من حقيقة مريبة تقوم على فرض ثقافة الخوف، والتبعية للنظام والمؤسسة الثقافية الرسمية.

ولعل أكبر دليل على التخبط المشار إليه هو أن "أصل الهوى" أجيزت فعليا، بعد أسبوع من المداولات بشأنها في دائرة الرقابة على المطبوعات والنشر، وصدر قرار إجازتها موقعاً من قبل مدير الدائرة قبل التراجع عنه في اليوم الثاني وصدور قرار مضاد يمنع تداولها، علماً بأن قرار منع الرواية كان قراراً شفهيا.

"الإباحية" كتهمة غطاء واه للسبب الحقيقي وراء منع "أصل الهوى".. فبحسب بيان المنع الشفهي للرواية المدعوم بخطوط سوداء تحت سطور وفقرات بعينها لدائرة الرقابة على المطبوعات والنشر.

لم أتلق سبباً صريحاً ومباشراً من الرقابة، تلقيت عن طريق الناشر المؤسسة العربية للدراسات والنشر صورة عن بعض الصفحات التي أشارت لها الرقابة على أنها سبب المنع، مع الإشارة لفقرات تبرر ما وصفته بـ"الإباحية" من وجهة نظر الرقيب، وغيرها من الإشارات.

على أن المؤسف في الأمر ليس قرار الرقابة فحسب، وإنما موقف الأدباء والمثقفين الأردنيين السلبي إزاء ما حدث. بعضهم من دعاة الفكر الليبرالي، كتب ضد الرواية حتى دون أن يقرأها. وثمة من آثر الصمت طلبا للسترة! بعض الأقلام الصحافية في الصحف الأسبوعية شنت هجوماً بغيضاً على الرواية وعليّ.

ـ هل تعتقدين أنه من الممكن أن يُكتب الجسد في النص؟ وما أهمية جسد المرأة في الكتابة بشكل عام؟ لماذا قد "تحتاج" المرأة إلى الكتابة عن جسدها أو الجسد بالمطلق؟ وما رأيك في ما يُطلق عليها "الرواية الفضائحية"؟

الجسد "موضوع" شأنه في ذلك شأن أي موضوع آخر قابل لأن "يُشتغَل" عليه في النص، أي نصّ، بل من المشروع جداً أن يكون مادّة النص بالمطلق، شريطة أن نتجرّد من التّقنين البشري له، هذا التقنين الذي يستند إلى منظومة "قيميّة" وضعيّة، تصادر الفطرة وتحيلُ الجسد من حالة وجودية تلازم أحوالنا وتحوّلاتنا، وتندغم مع وجودنا الأعمّ والأكثر شموليةً، إلى "شيء" قابل للخضوع لمنطق القياس والقولبة، بالمعنى الاجتماعي والديني.

إن الكتابة عن الجسد هي محاولة للتصالح مع هذا الوعاء، الذي قد نغترب عنه أو يغترب عنا، وهي محاولة للنظر في مرآة لا تحيلنا للظاهر البديهي، بقدر ما تحيلنا للظاهر "الجوّاني" (الداخلي).

الكتابة عن الجسد هي كتابة الجسد، بمنطق التفكيك والبناء ومن ثم الخلق وإعادة الخلق. في الخلق، نكون إنسانيين، نسأل ونتساءل، نستفسر ونفسّر، ونحاول البحث عن الإجابات.

جسد المرأة يحضر في النص كما يحضر جسد الرجل. لكن جسد المرأة يكتسب حضوراً أعظم كونه مُرتَكز التابوهات الاجتماعية والدينية في كلّ الثقافات على مدى العصور. الغواية اقترنت بجسد المرأة لا الرجل. حيثما وُجد الجسد الأنثوي، لا الذكوري، تجسّدت الغواية – التي هي مقدمة تقود بالضرورة إلى الخطيئة، كنتيجة. جسد المرأة كان، وما يزال، المنطلق الذي نُبذت بسببه الشهوة، فـ"حُقِّرت" ودُنِّست وأُدينت ورُجمت. تاريخياً، حوصر جسد المرأة، وهو، أي الجسد الأنثوي، إذ سعى لأن يتفلّت من هذا الحصار من خلال الأدب، فإنه ظلّ في معظم الكتابات أسير التوصيفات الكليشيهية.

جسد المرأة حاضر لأنه يريد له أن يحضر، من أجله هو، لا لأن الجسد النسوي المفرد يستحق أن يحضر كمفرد وككيان مستقلّ.. أو قد يكون الجسد الأنثوي في الكتابة الذكورية أو الكتابة التي تسقط عادة في فخ التنميط وسيلة لاستحضار معانٍ مشوهة، متدنية، كالرذيلة والخطيئة والانحطاط والانحلال وكل أشكال التهاوي والتداعي الأخلاقي والنفسي، ولا يعدم في كتابات أخرى أن يكون الجسد، جسد المرأة، هو منشأ الهزائم والخسارات والانكسارات النفسية والاجتماعية والسياسية التي نعيشها!

المرأة أحوج ما تكون إلى الكتابة عن جسدها، منطلقة في ذلك من رغبة أصيلة، غير مصطنعة وغير دعائية وغير استعراضية، للتأمل والتفكّر وإعادة اكتشاف ذاتها. حين تكتب المرأة عن جسدها أو تستحضره في النص في مستويات مختلفة من التعبير فإن الأمر أشبه بالوقوف عارية في غرفة دائرية جدرانها اكتست جميعها بالمرايا. أينما ولّتْ بصرها رأت جسدها كما هو، لكن جسدها ليس كما تظن، ليس كما تعرفه أو اعتقدت أنها تعرفه. جسدها كأنه يغادرها ليقف أمامها، يصارحها للمرة الأولى بما لا تريد أن تصارح نفسها به.

- ماذا تقولين إذا عن الرواية التي يُطلق عليها "الرواية الفضائحية"؟

انا لستُ مع تجاور كلمتي "الرواية" و"الفضائحية"؛ فهذا التجاور يحيلنا إلى عمل "بورنو" بالضرورة، أو عمل "تشهيري"، على اعتبار أن "الفضيحة" هنا ليست بالضرورة أن تكون مقترنة بالكتابة ذات الدلالات الجنسية، كما هو مُبطَّن في استخدام المصطلح، وهذا النوع من الكتابة لا علاقة لها بالفن الروائي. الكتابة، التي تتقصّد الفضح، أيا كان نوعها، ليست كتابة ولا تستحق في النهاية أن نقف عندها.

- أنت تكتبين القصة القصيرة، هل وفرت لك الرواية ميزات لم توفرها القصة؟

لا أعتقد أنني كتبت القصة بنية الانتقال إلى الرواية؛ أو كنوع من التدريب، وإن كانت الكتابة كلها تدريب متواصل، وعملية بداية مستمرة، لبلوغ شيء أو نهاية لا نصل إليها حتماً.

القصة مشهد مكثف، يقصر أو يطول، للحظة حياتية أو شعور محصور في بقعة زمنية بالدرجة الأولى، ثم مكانية، قابلة ضمن مساحتها الصغيرة وإمكاناتها المكثفة الانفتاح على أفق تعبيرية غنية. في هذا السياق، لا يمكن القول إن القصة "أسهل" كجذر أدبي من الرواية، فلها شروطها، ولها بنيتها الشرعية، ولها قوامها الذي تتفرّد به قطعاً، وإن كانت، في بعض الأحيان تصلح لأن تكون فصلاً في رواية، أو هكذا توحي.

إنّ غواية الرواية تمكن في الحياة العريضة القابلة لأن تطويها، في العمق الإنساني القادرة على احتوائه، في الزخم التعبيري القابل للتمدد في أكثر من اتجاه، في كل الاتجاهات. إذا كانت القصة مشهداً أو فصلاً من الحياة، فإن الرواية هي الحياة. وهل ثمة غواية أجمل من غواية الحياة؟!

أخيرا لمن تكتب حزامة؟

أكتب كي أرتاح أو أعتقد، لسذاجتي، أن الكتابة تريحني، ذلك أنه في كل مرة، في كل نهاية كتابة، أغادر اللحظة أكثر إنهاكاً، وقطعاً أكثر تشويشاً، لكنني، وهنا يكمن بعضاً من العزاء، أعتقد أنني أشفّ نوعا ما فأغدو أكثر وهجاً ولو بصورة مؤقتة. فإذا أراد الآخرون أن يشاركوني رحلتي، واجدين في ما أكتب ما يتماهون معه أو يلتقون عنده بطريقة من الطرق فليكن.

التعليق