الهامسون: الحياة الخاصة لروسيا ستالين

تم نشره في الأحد 23 تشرين الثاني / نوفمبر 2008. 10:00 صباحاً
  • الهامسون: الحياة الخاصة لروسيا ستالين

 

ترجمة: موفق ملكاوي

عمان- يحيل العنوان ذو الحدّين وبشكل متعمد، إلى فريقين مهمين في الحياة الروسية أيام ستالين: أولئك الذين همسوا لكي لا يُسمعوا، وأولئك الذين همسوا إلى الشرطة السرية لتوريط الجيران والزملاء، أو حتى عائلاتهم الخاصة.

الأطفال تم تذكيرهم باستمرار بالمثل الشائع "الحيطان لها آذان"، وبأنّ ألسنتهم يمكن أن توقعهم في المشاكل. هذا الكتاب الذي راجعه انتوني بيفر جاء نتيجة مشروع بحث واسع النطاق، وأهميته لا يمكن حصرها في زمن معين.

نعرف حول الملايين الذين ماتوا نتيجة رصاصة في مؤخرة الرّأس، أو من الإعياء والمرض في معسكرات العمل، أو من المجاعات التي نتجت عن سياسة الزراعة التعاونية الإجبارية لستالين. يصف مؤلف الكتاب أورلندو فيغز كيف أن عائلات أولئك الضحايا تحطموا من الرعب.

لقد قاد مع فريقه عمليات كشف واسعة النطاق، بحثوا خلالها في المفكرات والحسابات في أكثر من أرشيف، وقابلوا مئات الأشخاص الذي بقوا على قيد الحياة.

ومن هذه المادة الضخمة التي توفرت لهم، أعاد فيغز بناء تجارب أولئك الضحايا أثناء موجات الظلم التي استمرت منذ العام 1929، وحتى موت ستالين في العام 1953. احتقر البلاشفة الحياة العائلية، فبالنسبة إلى الثوري الناكر للذات، ينبغي أن لا يكون هناك شيء خاص: كل شيء كان سياسيا.

الفردية كان لزاما عليها أن تتنحى، حتى مشاعر الإنسان تجاه أطفاله كانت تعتبر "حبا مغرورا". كان يفترض أن تحلّ الحركة الشبابية الشيوعية مكان العائلة بالنسبة إلى الولاء لدى الأطفال.

الشقق العمومية جاءت لتحطم "الحياة العائلية البرجوازية"، وتقوّض الوحدة العائلية. ببساطة، كان البيت "فضاء حيّا" يفترض فيه أن يكون مجردا من التأثيرات الشخصية أو الزينة. لينين فقط هو من صدّق نظرية العائلة الشيوعية.

الموجات المبكرة للقمع استهدفت طبقتي النبلاء والبرجوازيين، ثمّ طبقة (الكولاك) أو الإقطاعيين مالكي المزارع الصغيرة، وذلك عندما صمم ستالين على سحق مقاومة طبقة الفلاحين، وتوجيههم إلى المزارع الجماعية.

وبشكل عشوائي تم طرد عدة ملايين من المزارعين الذين أرسلوا إلى معسكرات العمل. وأن تكون قد ولدت لأبوين من (الكولاك)، فإن هذا يعني أن تواجه إذلالاً في المدرسة، كما ينبغي عليك أن تعرف بأنه ما من عمل محترم سيكون مفتوحا أمامك. إن امتلاك مثل هذه السيرة الذاتية (الملوثة) شجعت العديد من تلاميذ المدارس والطلاب على إخفاء ماضيهم، أو حتى ترك آبائهم.

وهناك بعض العائلات شجعت أبناءها على فعل ذلك من أجل تأمين مستقبل أفضل لهم، وبذلك فقد حسّن العديد من أبناء (الكولاك) سيرهم الذاتية، ولينضم الكثير منهم إلى الشرطة السرية.

الكاتب الأكثر شهرة في العصر الستاليني قسطانطين سيمونوف، والذي يلعب دورا مركزيا في الكتاب، كان واحدا ممن قرروا إعادة اختراع أنفسهم، ولكن ليس لأنه من (الكولاك)، بل لأن أمّه كانت هي الأميرة أوبولينسكي.

سجّل في مدرسة أحد المصانع، وعمل ليلا في خط إنتاج الأسلحة من أجل تصنيفه (بروليتارياً).. ولكنه ظل خائفا. إن شجب "أعداء الشعب" كان قد أصبح سلاح الدولة السوفييتية، ففي العام 1932 قتل صبي في الخامسة عشرة من عمره في الأوراس يدعى بافليك موروسوف، على افتراض أنه شجب (الكولاك). وفي الحال فقد حولته الصحافة السوفييتية إلى رائد نموذجي، وتعلم الأطفال في كلّ المدارس أن يعتبروه بطلا.

الدعاية المستمرة أثرت كثيرا، فمثلا يقول الأخ الأصغر لإلينا بونيرز عندما تم اعتقال أبيهما: "انظر إلى أعداء الشعب أولئك، بعضهم يدّعون أنهم آباؤنا".

وفي الشقق العمومية زاد مستوى التوتر نتيجة الشروط الصارمة والمطابخ المشتركة، أما الاتهامات بالسرقة، والشكّ المتبادل فقد أديا إلى العديد من الاتهامات الكاذبة عند الشرطة السرية.

عندما كانت الطرقات على الباب تأتي في الليل، كان الآباء في العادة لديهم حقيبة جاهزة، فالجميع يعرفون بأنك لن تعطى أي وقت لحزم أمتعتك. الكثير من الآباء رتبوا مع قريب أو صديق للاعتناء بأطفالهم، ولكن أولئك الأصدقاء كانوا في الغالب يمتنعون عن أداء هذه المهمة خوفا من (العدوى السياسية).

أما أطفال "أعداء الشعب" فقد تم إرسالهم إلى ملاجئ الأيتام، ومنحوا أسماء جديدة، فالدولة السوفييتية هي الآن أهلهم. كانوا صغارا جدا لأن يتذكروا أسماء آبائهم، وبذلك لم يكتشفوا هويتهم الحقيقية ثانية. كن حذرا، فهذا الكتاب يمزق القلب، فالإرهاب العظيم خلال السنتين 1937-1938، أنتج صمتا عظيما.

نادرا ما تجرأ أيّ شخص على الكلام مع أي شخص آخر حول ملاحظة بريئة ما يمكن لها أن تتضمن نوعا من نقد النظام. أصبحت الصداقة مستحيلة في الوقت الذي يتعين عليك شجب الآخرين لإنقاذ نفسك.

حتى الثقة بين الأزواج غدت خطيرة، فأنطونينا غولوفينا، ومثلها مثل العديد من أطفال (الكولاك)، جازفت بتأليف سيرة ذاتية تتماشى مع الوضع القائم، ولكنها، ولأكثر من خمسين عاما لم تتجاسر على كشف الحقيقة لزوجها، ولم تبح بذلك إلا في العام 1987، عندما بدأ النظام الشيوعي بالتداعي، ليجرأ على إخبارها هو الآخر بأنه أخفى عنها بأن أباه كان ضابطا بحريا قتل على أيدي البلاشفة.

إن ما أوقعه النظام الستاليني على العالم السوفييتي هو "اختلال عقلي عالمي"، أنتج ما يمكن مقارنته فقط بشكل "متلازمة استوكهولم".

حتى السجناء الأبرياء في معسكرات العمل، هم وأطفالهم، لم يستطيعوا رؤية الحقيقة، وشعروا بالاضطرار لدعم مضطهديهم بقوة، فبعد الاستثمار الكبير في الاعتقاد بجنة الاشتراكية، فإنهم لم يجرؤوا على الاعتراف بحقيقة ما كان يجري.

كتب ليف كوبيليف: "ما كانوا يخشونه أكثر من غيره، هو أن يفقدوا إيمانهم المطلق". إن هذا الكتاب ينبغي له أن يصبح قراءة إلزامية في روسيا اليوم، والتي هي غير قادرة حتى الآن على مواجهة الحقيقة، إذ من الصعب عليهم أن يعترفوا بملايين الأرواح التي أزهقت أو حُطمت إبان ذلك العهد من الإرهاب، والذي لم يكن سوى عهد من الجريمة الشنيعة ضد الإنسانية.

راجعه: أنتونى بيفر

 التايمز اللندنية، 22 أيلول (سبتمبر) 2007

التعليق